يعلّمون الله الدين!
الناقد أدهم الشبيب
تجرّأ الناس كثيرا على الدين في عصرنا الحاضر هذا، لست أقصد الذين اتخذوا غير الإسلام دينا ، فهؤلاء لهم شأنهم إذ اتخذوا دينا نظن أنه منحول ويتبعون كتابا تدخل بكتابته البشر، فلا بأس أن يعترض بعض مفكريهم أو مثقفيهم أو متفلسفيهم أو سفهائهم أيضا على بعض النصوص أو التعاليم أو الأحكام فهي بشرية بعد كل شيء ومصدرها الأصلي بشري، ولست أقصد أيضا جرأة الملحدين أو الوثنيين أو الوجوديين وأمثالهم على الدين فهؤلاء لا يؤمنون بدين ولا خالق ولا كتاب، وقد قادتهم العقول البشرية-التي يعتريها الخلل والنقص والسكر والجنون والنوم والنسيان – إلى هذا الفهم للكون ونشاته،
إنما الذين أقصدهم بمقالي هم الأفراد والجماعات من المسلمين أو الذين يعدون أنفسهم مع المسلمين ثم يقولون بمقالة الفئات السالف ذكرها، فهذا يقول “كيف يقبل الله تعالى ونبيه أن يقاتل المؤمنون غيرهم من بني البشر حتى وإن اضطهدوا أو أخرجوا من ديارهم، فليس من المنطق أن يكون الدين قويا أو مقاتلا”! ولذا فهو يرى أن ما حصل من حروب أو فتوحات أو غزوات ليست من الدين بل من فعل المنحرفين عن الدين ومن أحكام الفقهاء المتقولين على الله! حتى إذا وصلوا إلى فعل النبي عليه والصلاة والسلام وما ثبت من عمله لنفس الأمر وقعوا في مغبة الخروج من الملة أو الكذب والتزييف على التاريخ أو إنكار الحديث، وتلك النتائج إحداها ألعن من أختها.
فنسوا أنه ﴿لوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾
ففي رواية يحيى بن سعيد لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء ” ثم قرأ ابن عمر : ” ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض “،
وقال أبو جعفر : يعني – تعالى ذكره – بذلك : ولولا أن الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له والإيمان به بعضا وهم أهل المعصية لله والشرك به ، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له – وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر – جالوت وجنوده لفسدت الأرض” انتهى كلامه، ولذلك ختم الله قوله بـ ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فانظر كيف أنه في سنة التدافع وبعض القتال لوقاية الأرض وحمايتها من المفسدين “فضل من الله ونعمة على الناس” والمتخرصون لا يفقهون.
و الآخر يرى أن “لا وجه في تعذيب الناس يوم القيامة أو في القبر ، فالبشر يخطؤون والله خالقهم ويعلم ضعفهم ولا يمكن له أو ربما لا يحق له تعذيب من هو جعله ضعيفا لا يقاوم الشهوات والمغريات” حتى إذا وصلوا إلى الآيات التي تنذر بالعقاب وتؤكد العذاب وقعوا في سقطات التأويل ودخلوا في متاهات التضليل، واحتاروا كيف يخرجون، فإما أن يكذبوا القرآن أو يعدّلوا لله أفعاله أو يقولوا بدعوى الملحدين، وهذه الثلاثة أحداها أسوأ من سابقتها و أشرّ، فتناسوا أن الله خالق العباد ومالكهم ولا أمر لهم فيما يريد ولا رأي لهم فيما يشاء ولا اعتراض عندهم إلا أن يسلكوا الطريق الذي سلكه إبليس إذ حاجج الله-كما ظن- بمنطق النار والطين، و رأى أنه ظلم من ربه و أراد أن يعدل لله أفعاله ، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ،
ونسي أن الله خلقه من عدم ولم يك قبل ذلك شيئا فإن أعاده مرة أخرى إلى العدم فلا منطق في الاعتراض، ولكنه ﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ، ولكننا نؤمن أن ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ولأن عيسى عليه السلام يدري ويؤمن أن الله أدرى بأحوال عباده وبخفايا نفوسهم فقد قال ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
وثالث أو ثالثة ترى من غير الممكن أن يفضل الله الرجل على المرأة فقالت بجواز حكمها وقوامتها بل وسفرها دون إذن زوجها بل واقترحت تعدد الأزواج بدعم من حاكمها، وأخرى ادعت أن الله بعث من الأنبياء إناثا كما ادعى المشركون أن الله اتخذ من الملائكة إناثا بل وتمادى بعضهم وبعضهن إلى التأويل في الذات الإلهية العلية فعندهم لامعنى ولا حسم في أقوال الله تعالى بآياته “هو الله،،،” أو “هو الذي ،،،” أو “لا إله إلا هو ،،” أو “عليه توكلت ،،، ” فدخلوا في دوامة تأنيث الله ظنا منهم ومنهن أن هذا رد على “تذكيره” ممن يظنون أنهم “الذكوريون” ،حتى إذا وصلن إلى قول الله تعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أو لتوبيخه وتهديده سبحانه للمشركين ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ واستنكاره جل وعلا ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ و ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۖ﴾ وغيرها كثير، وقعوا بين قبول أمر الله ومشيئته في خلقه أو التملص من أحكامه وإرادته ويظنون أنهم مازالوا على دينه ولم يحيدوا عنه، وإنما “العقل” هو الذي يقود إلى ذلك والمنطق كما يتخيلون! والدليل هو “ميثاق جنيف” أو “اتفاقية سيداو” أو مقالة فلان أو كتاب فلتان ، ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ويريدون أن يملوا على الله أفعاله ويعلموه من دينهم بما هو أعلم،
﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
والحمد لله رب العالمين