مسلمون بالشهادة .. لا بالعبادة
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
نتجادل كثيرا في أيامنا العجاف هذه حول أمر ديننا وغريب ما يجري له وما يبتدع فيه أو ما يدور حوله أو ما يحاك له من أعدائه، من تلك المجادلات ما مرّ مثيله في عصور أسلافنا فتصدى من تصدى وتجاهل من تجاهل حتى اندثر المبتدعون أو خسر المتنطعون أو انكسر أعداؤه الخارجيون واختفى معهم المتآمرون حتى آل الأمر إلينا.
كلّ ما يمر له سابق وكل ما يجري له مثيل، فكان ذلك السابق تهيئة لنا وكان ما جُوبٍه قديما به عونا لنا لنستكمل حمل راية الصد وبيرق الدفاع والثبات على الثغور، إلا أمرا مستحدثا واحدا غريبا، وحدثا منفردا عجيبا، جعل خواصّنا في حيرة وعوامّنا في ارتباك.
ذاك هو أمر طائفة منّا يدينون بديننا ويتجهون لقبلتنا ويدخلون مساجدنا ويرتّلون قرآننا ويصلّون على نبيّنا ويعرفون أعداءنا، فيدينون بديننا ولكن يستنكرون أحكامه، ويتجهون لقبلتنا ويستغربون شعائرها، ويدخلون مساجدنا وينقمون على روادها وخطبائها ويرتلون قرآننا ولا يتبعونه، ويصلون على نبينا وينكرون سنته ويعرفون أعداءنا لكنهم يعذرونهم!
فجاء أمر اللبس بين متجادلينا، فالعوام ينظرون إلى مسلمين يعرفون آباءهم وأعمامهم وأسواقهم ومدارسهم بل دوامهم على صلاة المساجد فيقرّ في نفوسهم أن يقتدوا بهم ويطيعوهم ولا يجدون حرجا أن يتبعوهم حتى أوردوهم سبل الضلال دون اعتراض، فإن قلت له احذر من هذا، قال لك ولأي شيء الحذر وهو مسلم موحد وأجد ما يقوله جميلا وكثيرا منه منطقا سليما، فإن قلت له: ولكن ألا تراه يغير في كذا من أحكام الدين وينكر كذا من اصول الدين ويبتدع كذا في فهم الدين، قال -وهواه يقوده- بل أرى أنه أفهمنا مالم نكن نفهمه من قبل، و دلّنا على ماكنا عنه ضالّين وبين لنا ما أشكل علينا -سابقا- من أمر الدين، وما لم يدر على خلد علمائنا الأولين، أما الخواص فقد التبس عليهم بين أن يخرجوهم من الملّة ولا دليل على ذلك أو أن يقبلوهم على هدمهم ولا سبيل إلى ذلك، فإن حاربوهم استنصروا بالأقل منهم علما ممن يتبعونهم أو ممن لا يميزون بين الدليل والهوى، وبين الإجماع والرأي، وبين المرام والظاهر، وبين الاستنباط والظن، وبين السنّة المؤكد وجوب اتباعها بالقرآن، من السنة المنكرة بمجرد الهوى والبهتان.
وإن انكفأوا وتركوهم استفحل أثرهم على الأمة كل يوم وتمادى شررهم على مصيرها ودينها كل ساعة، فهذا يزعزع الإيمان بحجة العقل وذاك يسيء للفقيه بحجة الرد وآخر يحرق كتب الموروث حيث “زادتنا ضلالا”! ورابع يعزو الانحدار إلى المذاهب والمدارس وخامس يحمل أهل العلم وسلف الأمة الصالح مسؤولية ما نحن فيه من التبعية لأمم تقدمتنا واضطهدتنا بل وسخرت منا، ونسوا إن سلفنا كانوا يعلون عليهم، وان كتب الموروث نفسها كانت مادة تطمح الأمم إليها وإن الفقهاء أنفسهم كانوا مصدرا لإلهام قوانين كل الأمم من حولنا ، وإننا على عهدهم كنا منارا يستضاء به ، بينما على عهد المنسلخين المبتدعين المتشبهين المنكرين المدّعين من أمثالهم صرنا في ذيل الأمم التي يعيروننا بها، والتي يتمسحون بأحذيتها ليرضوها، ويهربون من دينهم ليتبعوها، ويتخلون عن أخلاقهم وقيمهم ليقلدوها.
ثم عندما تحادثهم في ذلك أو تعاتبهم أو تغضب أو تستغرب أو تتهمهم أو تلومهم كيف يتعبدون ولم للبدع يتبعون وللأمم الأخرى يسمعون، قالوا لك: “لا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا،، فهذا ما حذر منه القرآن قديما وأنكره ونهى عنه”،!
فإن اندهشت أو غضبت أو حكمت، قالوا: لا تزايد علينا بالدين، فنحن مثلك مسلمون ونشهد أن لا اله إلا الله و أن محمدا رسول الله.
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾
والحمد لله رب العالمين