|

في غياب الرأي وانتحار الفكرة … حارث الأزدي

في ساحة مضطربة تتقاطع فيها الإرادات والمشاريع كل يريد الوصول إلى هدفه بأقل الخسائر رفقة تفعيل واستصحاب فقرة الاعتماد الدولي المتحكم، تدور في ساحة الأفكار عناوين شتى، بعضها مبهر وبراق شكلا دون مضمون أو جوهر يذكر، وبعضها الآخر يجتر ما قيل سابقا أو اقتبسه الطارح له من نقاشات أمسيات الاعتلال الفكري والتعلل بذكر اللافتات السرابية التي يحسبها المغبون خط شروع وهي في حقيقتها نصبت في غير الوجهة التي يريد.

تطالعنا بين الفينة والأخرى مشاريع مستهلكة في زمن التيه الذي صرنا داخله مادة للطحن، تتناوشنا سكاكين الإرادات الدولية تحاول فرمنا وتغيير هويتنا وسحب البساط من تحت أرجلنا بالتنازل عن الثوابت لكي نصل إلى غاية متوهمة بغالب ظن المطحونين أنها منصة للإصلاح فأي إصلاح سيكون من مطحونين فاقدين لزمام المبادرة بلا فكر أصيل ولا قوة قادرة على حمايته.

في خضم هذا البحر المتلاطم من عناوين التحرير والتبديل والتغيير أو التأصيل والتشخيص الفاقد للعلاج تجد بعض المشاريع تتسمى بالمشروع الثالث وهي مرتبة أخيرة بين مشروعين قاهرين ليس موجودا في الساحة أحد يستطيع الوقوف أمامهما فضلا عن قيادة مرحلة الصراع لإثبات الوجود، فإذا كانت نقطة الشروع ثالثة في الترتيب الأخير في سباق لا يضم سوى ثلاثة كيف تريد المنافسة. أما مشاريع اللملمة والضمضمة والتجميع غير القائم على أساس متين، فهي مشاريع إلهاء لا يؤبه لها، ولا تشكل خطورة إلا على المنخرطين فيها ويبقى توصيفها (يتمرغل بدم المجاتيل) ولمن ليس عراقيا أفسر المثل يدعي البطولة وهو خال منها، يلطخ ثيابه بدماء المقتولين طلبا لاتهامه بالبطولة. وغالب هذا النوع معروض للبيع ويشترى بأبخس الأثمان.

حين تستعرض الساحة العراقية في خطها الذي نؤمن به، وندين الله به عبادة والتزاما نبتغي بها وجهه، تجد كثيرا من المتصدرين بعضهم بشهادات عليا تتعبك في تتبعها وترسم مسارها الفكري وبعضهم الآخر من أصحاب السير الذاتية التي لو أتيح لنا قياسها بالأمتار ستكون حائط صد لكل صاحب فكرة أن يطرح ما يريد لأن المتصدرين استحوذوا على الأضواء وامتلكوا ساحة الإبهار الفارغ.

المعضلة التي نعاني منها اليوم ليست قلة علم، ولا بندرة طرائق الدعاة، بل هذ تتجسد بفقه الخطوة المستقبلية والخيط الفكري الناظم للتحرك، فالمشكلة ليست باستعراض التأصيلات وإن كانت مهمة وليست بالدهشة في طرح القصص والرقائق بقدر ما هي تتعلق بالرؤية وتحديد الهدف وإعداد الجيل الذي تستند إليه الفكرة التي تفتقر إلى من يحملها وليس إلى من يتعكز عليها للوصول إلى غاياته الشخصية.

Similar Posts