|

العراق خامسًا في الدول الأكثر تضررًا من أزمة المياه

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعتبر السياسة المائية لأي بلد من أولويات إدامة الحياة وتطور الجانب الاقتصادي فيه ونمو وازدهار الثروة الزراعية وتعزيز التنمية الاجتماعية التي تنشئ بلدًا يتميز بالاكتفاء الذاتي وحماية اقتصاده الوطني الذي يشكل دعامة أساسية لاستقلال سياسي وازدهار لمعايير الحياة الكريمة وحماية لحقوق الأجيال القادمة، ويتم عبر برامج تنموية وإجراءات ميدانية ووسائل حديثة تأخذ بنظر الاعتبار التطور العلمي والتقني في كيفية الاستفادة من الثروة المائية والأراضي الزراعية وخصوبة التربة لكي تصل إلى معايير حقيقية للإنتاج الزراعي المتطور الفعال وبقواعد إنتاجية عالية وحماية للبيئة واستخدام إيجابي للموارد المائية والتمسك بحق البلاد في الحصول على المقادير والنسب المائية التي أقرها القانون الدولي والاتفاقيات التي تعقدها البلدان المجاورة لبلد المصب الرئيسي.

وفي قراءة دقيقة لواقع الحال الذي يعيشه العراق وما آلت إليه الأوضاع العامة فيه ومنها الواقع الزراعي وأزمة المياه، رجح تقرير تنمية المياه حول العالم لسنة 2024 الصادر عن منظمة اليونسكو أن يكون العراق من ضمن الدول العربية الأكثر تعرضًا لشح المياه بحلول العام 2050، فيما أشار إلى أن التوترات بشأن المياه تؤدي إلى تفاقم الصراعات في جميع أنحاء العالم، وذكر التقرير الصادر عن منظمة اليونسكو ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية إلى بيانات صادرة عن معهد الموارد العالمية، أن 25 دولة تتعرض حاليًا لإجهاد مائي مرتفع للغاية سنويًا من بينها العراق، مما يعني أنها تستخدم أكثر من 80 بالمائة من إمداداتها المائية المتجددة لأغراض الري وتربية الماشية والصناعة والاحتياجات المنزلية، وحتى الجفاف قصير الأمد يعرض هذه الأماكن لخطر نفاد المياه، وسبق للعراق وأن (53 مليار) متر مكعب من مخزونه من المياه عام 2019، بسبب الجفاف وسوء التخزين وعدم أخذ استحقاقاته من دول الجوار تركيا وإيران التي بلغت 70٪.

ويشتكي العراق منذ سنوات من السياسات المائية غير العادلة التي تنتهجها تركيا عبر بناء العديد من السدود على نهر دجلة ما تسبب بتراجع حصصه المائية، وأيضاً إيران من خلال تحريف مسار أكثر من 41 نهرًا داخل أراضيها للحيلولة دون وصولها إلى الأراضي العراقية، بالإضافة إلى ذلك فاقمت مشكلة الجفاف وقلة الأمطار خلال السنوات الأربع الأخيرة من أوضاع البلاد البيئية الزراعية، وأعلنت الأمم المتحدة أن ٥٠٪ من سكان المناطق الريفية بالعراق يفتقرون إلى ماء الشرب الآمن، وتشير تقديرات الحكومة العراقية إلى أن 24٪ من أبناء الشعب العراقي أو ما يقرب من واحد من كل أربعة أشخاص لا يحصلون على الماء الصالح للشرب وكشفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عن عدم توفر المياه الصالحة للشرب لعدد يتجاوز 7.6 ملايين عراقي، وقالت إن العراق يعاني حالياً من نقص حاد في المياه في معظم أرجائه.

ويمر العراق بواحدة من أسوأ أزماته في موضوع المياه بسبب الاحتلال الأمريكي للبلاد في التاسع من نيسان 2003 وتعاقب الحكومات التي لم تعالج أزمة المياه عبر برامج وأدوات وصيغ فعالة تحفظ للعراق حقه الطبيعي في الحصول على استحقاقاته من مياه نهري دجلة والفرات، والبلد يتجه نحو حافة التصحر بعد أن فقد نصف مساحاته المزروعة بسبب الجفاف خلال السنوات الماضية وفشل الإجراءات الحكومية في التعاطي مع إيران وتركيا اللتين تشيدان سدودًا على نهري دجلة والفرات مع انخفاض المخزون المائي الإستراتيجي إلى 7.5 مليارات متر مكعب للمرة الأولى بتاريخ البلاد.

وتصنف الأمم المتحدة العراق من بين الدول الخمس الأكثر تضررًا من بعض تداعيات التغير المناخي، فالأمطار قليلة وبحلول العام 2050 من المتوقع أن يزداد معدل الحرارة السنوي بدرجتين ونصف الدرجة المئوية وفق إحصائيات ودراسات البنك الدولي مع تراجع مستوى الأهوار الوسطى ونهر الفرات من مصدر تغذيتها الرئيسي، وجاء العراق في المرتبة 12 بنسبة 4.74 وهي نسبة مرتفعة جدا من حيث الدول الأكثر تعرضاً لنقص المياه بحلول 2050.

تعمد دولتي المنبع إيران وتركيا قطع المياه عن العراق مما أدى إلى احتلاله الترتيب الخامس في قائمة الدول الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية في العالم، و كشف مرصد (العراق الأخضر) المعني بالشأن البيئي عن ارتفاع الأراضي الزراعية المتروكة في محافظتي البصرة ونينوى جراء ازدياد نسبة الملوحة وغياب منظومات الري

وارتفاع درجات الحرارة في العراق إلى انخفاض في هطول الأمطار السنوي والذي يبلغ حاليا 30 في المئة، ومن المتوقع أن يصل هذا الانخفاض إلى 65 في المئة بحلول عام 2050، وتطلق تسمية (سلة خبر العراق) على محافظة نينوى كونها تصدر ثلث إنتاج العراق من الحبوب وهي النسبة الأعلى بين باقي المحافظات المنتجة، فيما يطلق تسمية (رئة العراق الاقتصادية) على محافظة البصرة لما لها أهمية جغرافية فضلًا عن كونها مصدرًا كبيرًا لتربية المواشي وزراعة الكثير من المحاصيل، وهنالك حاجة إلى خطوات مهمة لتدوير المياه وتقليل نسب الملوحة والتوزيع العادل لحصص المحافظات المائية وضرورة الاهتمام أكثر بالأراضي الزراعية في محافظة البصرة وقنوات الري في محافظة نينوى.

وكانت منظمة اليونسكو نيابة عن لجنة الامم المتحدة المعنية بالموارد المائية قد أصدرت تقريرًا عن تنمية المياه في العالم لعام 2024 تحدث عن أكثر الدول عرضة لنقص المياه بحلول 2050، ووفقا للتقرير لا يزال 2.2 مليار شخص يعيشون اليوم دون إمكانية الحصول على مياه الشرب المدارة بشكل آمن، ويفتقر 3.5 مليار شخص إلى خدمات الصرف الصحي المدارة بشكل آمن، وبالتالي فإن هدف الأمم المتحدة المتمثل في ضمان إمكانية الوصول للجميع بحلول عام 2030 لا يزال بعيد المنال، وهناك سبب للخوف من أن تستمر هذه التفاوتات في الاتساع.

تبقى الإرادة الوطنية الحقيقة هي التي تحدد مسارات حماية المواطن وإدامة الحياة في البلاد وحماية أمنها القومي وتعزيز حاجتها المائية بقدرتها على الحوار المتكافئ والمستقبل مع الدول المجاورة ( تركيا وإيران وسوريا) ومراعاة مصالح الشعب العراقي وتعزيز الجانب الوطني واعتبار ملف المياه عاملًا رئيسيًا يحدد مسار وعمل الحكومات العراقية واعطائه الأولوية القصوى باللجوء إلى جميع الوسائل والأساليب للضغط على هذه الدول بعيدًا عن أي مجاملة أو علاقات تهدد حياة ومستقبل المواطنين.

Similar Posts