غسيل الأموال…آفة المجتمع القاتلة
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
العلاقات المجتمعية بين أبناء البلد الواحد تكون ركيزة مهمة من ركائز الحياة الأصيلة القائمة على الحب والتآزر والتلاحم في سبيل تقدم الوطن واسعاد شعبه وبناء مستقبل أجياله وهي تشكل منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة بسلسلة من العمل الجاد والنظرة الشمولية ذات الأبعاد الإنسانية الصادقة مع أبناء البلاد والمنتمية لأهدافهم والساعية للحفاظ على حقوقهم وإدامة زخم عطائهم ومساندة كفاحهم وتقديم كل التسهيلات لتساعدهم في تحقيق غايتهم النبيلة واهدافهم المشروعة .
هذا المجتمع الرصين لا يمكن أن يكون قائما إلا عبر العديد من المحطات الإبداعية والإمكانيات المادية والدعم والانتماء الإنساني الذي يقوم على تسخير إمكانيات الدولة لإسعاد شعبها وأبعاده عن أي أزمات اقتصادية واجتماعية تؤثر على حياته وتسبب العديد من الاحباطات النفسية والأفعال السلبية وتحافظ على كيانه الإنساني بمجمل قيمه وأخلاقه ومبادئه لكي يتمكن من مجابهة الصعاب والأزمات ويكون أداة إيجابية في بناء بلده وتقدم مجتمعه وسعادة شعبه.
ليأتي دور الإرادة الوطنية المستقلة في تعميق حالة البناء الفكري الإنساني لكي يتمكن الفرد من التضحية والإبداع والبناء وصولا لحياة حرة كريمة ومجتمع قائم على أسس متينة من الروابط الإنسانية والقيم الروحية والأخلاق المجتمعية ، وبهذا تكون الدولة قد حققت ريادة ميدانية ساهمت في تعميق روح التعاون والانسجام ومنع أي تأثيرات داخلية وخارجية تعمل على إيجاد قنوات وهيئات ومكاتب ومنظمات دخيلة تساهم في التأثير على أخلاقية المجتمع وسلوكية أفراده وطبيعة النهج السليم الذي تقوم عليه الحياة واستمرارها في البناء والأعمار والتغيير .
عندما تصل الحكومات الرشيدة إلى مديات روحية تكون قد حققت إنجازا إنسانيا كبيرا في منع أي خروقات تمس كرامة وكبرياء الإنسان الذي يسعى إلى تحقيق ذاته وحافظت على شعوبها من الاختراق الفكري والتأثير النفسي وساهمت في تعزيز الأمن والاستقرار الداخلي وإبعاد المجتمع عن العديد من الجرائم المنظمة التي تستهدف حياة الشعوب الحرة الساعية إلى بناء بلادها والحفاظ على منجزاتها ومنع أي توجه معادي يستهدف حياة الأفراد ومستقبل البلاد.
بعد أن تعاظمت صور الجريمة المنظمة وأصبحت إحدى الأدوات التخريبية التي تعاني منها الدول المستهدفة عبر المراكز والمنظمات التي تدعم العناصر والأفراد القائمين على تنفيذها والتي أصابت العراق بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان عام 2003 وأثرت بشكل كبير على حياة العراقيين واستهدفت تاريخهم الحضاري وانتماءاتهم ، ولهذا فقد شهدت البلاد وقائع وأحداث نفذت صور من أنواع الجريمة المنظمة بسبب الأوضاع المأساوية والأزمات الاقتصادية التي عاشها أبناء الشعب العراقي بعد سنوات عجاف تلت الغزو الأمريكي وكان من أخطرها جريمة غسيل الأموال وتبيضها والتي تؤثر على الاقتصاد الوطني ومستقبل البلاد حيث يتم توظيف الأموال التي تم الحصول عليها من أنشطة مختلفة في مشاريع تنموية استثمارية بهدف تحقيق الربح فيها وتجارة وتهريب المخدرات التي تستهدف العقل البشري العراقي والكفاءة والعطاء الشبابي الذي يتمتع به المجتمع العراقي.
والتأثير على إمكانياتهم في البناء والأعمار والتغيير وأبعادهم عن القيم العليا والأخلاق الحميدة ليشكلوا خطوط وطرق لهدم المجتمع والإساءة إليه ونبذ كل عاداته وتقاليده وقيمه والتعرض لحضارته وعدم الاهتمام ببنائه وتقدمه وجعله في مصافي الدول المتقدمة والمجتمعات المتحضرة، وهذا لا يتم إلا في حالة غياب الأدوات الميدانية لمواجهتها والتصدي لها عبر الأساليب الأمنية لمكافحة شبكات الفساد الاقتصادي والتهريب المالي وتجارة المخدرات بجميع أشكالها وأنواعها، ولا تنشط وتتحرك هذه المفاصل الخبيثة إلا في أيام المحن والأزمات التي تمر بها البلاد وحالة التخبط في إدارة الدولة ومؤسساتها الحيوية وتفشي ظاهرة القتل والترويع والاختطاف وانعدام الرؤى الاقتصادية والبرامج التنموية التي تحتضن قابلية الشباب وتدعم إمكانياتهم وتحقق أهدافهم في التطلع لمستقبل زاهر واعد وغد أفضل.
طاقات الشباب لا يمكن أن تستدام إلا إذا وجدت لها مجالات من الإبداع والبناء والأعمار والعمل في ميادين الفن والثقافة والأدب والشعر وتسخير جميع هذه الإمكانيات لخدمة شعوبهم و بلدانهم، وفي حالة الانحباس الاقتصادي وتفشي الفساد الإداري والمالي تكون تلك الدول أمام ظاهرة من الانحدار الأخلاقي والتباعد الاجتماعي وسوء الأوضاع المعاشية التي تؤدي إلى انهيار المنظومة الاقتصادية وزيادة التضخم ونسبة البطالة والفقر والعوز عند أبناء الشعب وبالتالي تكون أدوات فعالة في هدم صروح الدولة والمجتمع وتبتعد عن القيم الإنسانية والمبادئ السامية والروح النقية ، وهذا ما تسعى إليه دوائر الشر ومخططاتها الخبيثة وأدواتها العميقة.
وتعتبر جريمة الفساد الاقتصادي والمالي من الجرائم المنظمة لأنها تعمل على التأثير الميداني الذي يمس المنظومة الاقتصادية التي تهتم بتطور وتقدم البلاد فكانت المعاول الفساد الإداري والاقتصادي التي عملت باتجاه تحطيم هيكلية الدولة العراقية وضرب مؤسساتها الخدمية والعلمية والاقتصادية وتكبيد البلاد بالعديد من المشاكل والأزمات التي انعكست سلبيا على حياة أبناء الشعب العراقي وإضاعة جميع المنجزات الحضارية والعمرانية والعلمية التي تحققت للمواطن في سابق السنين وتم ضرب عصب الاقتصاد الوطني بالاعتماد الكلي على عمليات الاستيراد لجميع السلع والكماليات والحاجيات التي تساعد المواطن على الحياة وإفساد عملية تشجيع الانتاج المحلي في صوره الزراعية والصناعية والتجارية وتحويل المجتمع العراقي من مجتمع منتج وفعال والذي يمتلك الأيدي العاملة الماهرة في توسيع الانتاج الى مجتمع استهلاكي لا يقدر على إنتاج أبسط حلقة من الأدوات والحاجيات التي تدخل في حياته، ولهذا توسعت عمليات التأثير على البنية التحتية للاقتصاد.
تعتبر الجريمة المنظمة من الجرائم الطارئة على المجتمع العراقي وبعيدة عن السلوك المجتمعي والحضاري الذي يتصف به أبناء البلد فقد ظهرت ممارسات غريبة واستخدمت أساليب وحشية في تنفيذ الكريمة منها الحرق وتقطيع الجثث والاغتصاب والقتل العشوائي بوجود عناصر مسلحة وعصابات منظمة متدربة ترتبط بمنظمات خارجية تسعى إلى ارباك الجبهة الداخلية في العراق وتوسيع دائرة الانفلات الأمني.
وتبقى الصورة النهائية التي تؤثر على استمرار ديمومة الجريمة المنظمة انها تتفاعل مع العديد من الأزمات المحيطة بالمجتمع العراقي وأهمها عدم الاستقرار السياسي وتصاعد والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة بين صفوف الشباب حيث بلغت 32% وحالة الفقر تجاوزت 40% وانتشار المحسوبية والفساد الإداري والمالي.