تجارة المخدرات … إحدى نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق.

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

أفرزت نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق العديد من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وانعكست بشكل سلبي ومدروس على طبيعة المجتمع العراقي وأخلاقه وسلوكه وعادات وتقاليد أبنائه وشعبه وأظهرت مديات كبيرة وواسعة في التأثير المعنوي والنفسي على حياة المواطنين، وهي حالة طبيعية تواكب سياسة أي احتلال لبلد يراد إنهاكه بالعديد من المشاكل للاستمرار بالسيطرة والهيمنة عليه وإضعاف روح المقاومة والمواجهة لدى أبنائه والمساهمة في الحد من عملية رقيه وتقدمه.

ومن المشاكل والأزمات التي زرعها وساهم في انتشارها وأصبحت ظاهرة اجتماعية واقتصادية تهدد بنيان المجتمع العراقي وقيمه وأخلاقه هي تجارة وتداول وإدمان المخدرات في العراق وتعتبر نتيجة حتمية وسياسية واقعية لطبيعة التوجهات العدوانية للنفوذ الأمريكي التي سبب انفلاتا أمنيا وخرابا اقتصاديا وضعفا في المواجهة الميدانية للعديد من المشاكل التي تواجه المجتمع العراقي ومنها عمليات عدم السيطرة على حركة وانضباط الحدود العراقية مع الدول المجاورة له وتحديدا إيران ولهذا نرى ونلمس حجم المتاجرة بالمخدرات عبر الحدود العراقية -الإيرانية وأصبحت ظاهرة بل أزمة أخلاقية واجتماعية يعاني منها المجتمع العراقي في جميع المحافظات وتهدد بنيانه وحياته وقيمه والتزاماته الدينية والاجتماعية.

يعتبر موضوع المخدرات في غاية الأهمية لأسباب تتعلق بحياة المجتمع وهي من المواد المضرة بالحياة والصحة وتؤثر على ديمومة واستمرار فعالية الإنسان ومقدار تلمس دوره الريادي في تقدم مجتمعه وارتقائه بالمسؤولية الملقاة عليه في حفظ أسس وضوابط الحياة الاجتماعية وكذلك فإن المخدرات تعتبر من المواد المحرمة والخطرة والمؤثرة على طبيعة الإنسان وتجذره في المجتمع الذي ينتمي إليه، لهذا فقد جرمها القانون ورصد لها فقرات ومواد قانونية قاسية تصل إلى حد الإعدام لتقويض عمل التجار من التداول والمتاجرة ونقل المخدرات وحماية المواطن من أضرارها الجسيمة التي تتعلق بحياتهم وانضباطهم وسلوكهم المجتمع، وتصل عقوبات الاتجار بالمواد المخدرة في القانون العراقي إلى الإعدام ، أما بالنسبة إلى متعاطي المخدرات فتصل العقوبة إلى السجن لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات وغرامة مالية لا تقل عن خمسة ملايين دينار عراقي ولا تزيد عن عشرة ملايين، وللمحكمة بدلا من فرض العقوبة المنصوص عليها في القانون أن تودع من يثبت إدمانه في المؤسسات العلاجية أو مراجعة عيادات نفسية واجتماعية

حرصت العديد من الجهات والدوائر التخريبية والساعية للتأثير على الأداة القوية للشباب العراقي والعمل على تحطيم القدرة والطاقة البشرية في العراق عن طريق زيادة حالات الانحراف بتداول وتعاطي المخدرات وحبوب التخدير والهلوسة ومن أشهر أنواع المخدرات الرائجة هي ما يعرف بمادة الكريستال والحشيشة والأفيون وأخطرها مادة (الكبتاجون ) التي تتداول في العراق وتعتبر من أخطر المواد المخدرة التي تدمر الجهاز العصبي للإنسان ويدمن عليها بسرعة ويتم الترويج لها على أنها منشطة جنسيا وهو عامل يساعد على انتشارها وبيعها بسرعة ولها آثارها الجانبية في الإصابة بالجلطات القلبية وإبطاء عمل الأعصاب والتهاب قشرة المخ وتسارع نمو الخلايا السرطانية، هذا المخطط الرهيب والخبيث الذي يجتاح المجتمع العراقي يؤشر لدينا حقيقة الجهات الداعمة والساندة له وغايتها في إحكام سيطرتها ونفوذها على العراق ومعروف أن الجهات الممولة لهذا المخطط والمشروع تستغل ضعف الانتماء الحقيقي وغياب الأداء السياسي الفعال للأحزاب والكتل السياسية وعدم وجود قاسم مشترك لتحديد مسارات العمل بسبب الاعتبارات والصراعات والمناكفات بين أطراف العملية السياسية وعدم وجود اتفاق سياسي يحكم إرادة العملية وتخبط الرؤى والأدوات الاقتصادية وفقدانها للمشاريع الاستثمارية والتنموية وقدرتها على استخدام الطاقة البشرية والعلمية والفكرية للعراقيين وتسخيرها في خدمة الأنشطة الاقتصادية في عمليات البناء والإعمار والتقدم ومحدودية النشاط الاقتصادي الخاص وعدم فعاليته في المجتمع بسب ضعف الدعم المقدم إليه وسيطرة العديد من الأدوات التنفيذية في الحكومة العراقية على مقاليد الحياة الاقتصادية بما يحقق لها مصالحها الذاتية وكسبها للمال بطرق واتجاهات ملتوية تحقق لها أرباحا واسعة على حساب التقدم الصناعي والتجاري في البلد بما يعمل على تصعيد وتائر نسب البطالة لدى الشباب وفي جميع الميادين وغياب التوعية الدينية والأخلاقية وعدم وجود معايير واضحة لكيفية مواجهة ظاهرة تعاطي المخدرات وتسليط الأضواء عليها إعلاميا وثقافيا وعلى جميع الأصعدة بسبب التداخلات والصراعات السياسية والخوف من ردود الأفعال التي تؤدي إلى فقدان الإنسان لحياته وسطوة وقوة الأدوات الراعية لهذا المخطط من جهات تنفيذية ومليشيات مسلحة.

يدخل العراق سنويا (30) مليون حبة من نوع (الكبتاغون) عبر المنافذ الحدودية والبحرية المشتركة مع إيران ويقدر ثمنها بـ (60) مليون دولار ومن أخطر الأنواع المتداولة في البلاد والتي أصبحت تنتج محليا أيضا هي حبوب (الكريستال) التي تؤدي إلى تدمير جهاز المناعة لدى الإنسان المتعاطي لها وتؤدي به للوفاة بسبب توقف القلب والفشل الكلوي والهبوط في الوزن العام للجسم، وأصبحت منطقة الحدود المشتركة ممرا مهما لعمل وفعالية التجار وتقوم عصابات متدربة إيرانية أفغانية باكستانية بنقل هذه المواد المخدرة إلى العراق وبعده لدول الخليج العربي وتطور الحال ليصبح العراق ممرا لنقل المخدرات إلى تركيا ودول أوروبا الشرقية وبجميع أنواعها، كل هذا يشكل انعكاسا خطيرا لطبيعة الأحداث التي رافقت وعكست نتائج احتلال العراق وفقدانه للعديد من القيم والأسس الأخلاقية والمعايير القانونية وغياب المؤسسات القضائية وضعف الإجراءات الأمنية وهيمنة العديد من الأحزاب على مقاليد السلطة التنفيذية واستغلالها للمال العام وتشجيعها للفساد المالي لتمويل نشاطاتها عبر لجانها الاقتصادية بما يدر عليها أرباحا طائلة تستفاد منها في توجيه نشاطاتها الحزبية والفئوية وتحقيق مصالحها الذاتية في الهيمنة والسيطرة على مقاليد الحكم في العراق وتنفيذ مشاريعها السياسية.

من العوامل التي تساهم في انتعاش تجارة المخدرات في العراق سهولة عملية إدخالها إلى الأراضي العراقية بسبب الانفلات الأمني وضعف فعالية الأدوات الأمنية عبر الحدود المائية والبرية مع إيران وتعاون العديد من الجهات الحكومية والمسؤولين التنفيذيين عن طريق إعطائهم نسبة من الأرباح التي ترد من تجارة المخدرات إضافة إلى أن القائمين على عمليات التهريب يسعون إلى استخدام صنوف وأنواع من هذه المواد وتجريبها في العراق عبر تداولها من قبل عدد من المواطنين ومعرفة مدى فعاليتها وتأثيرها على حياتهم وسلوكهم ليتم بعدها تصديرها للبلدان الأخرى، أي استخدام شباب العراق قنوات وأدوات للتجارب المحرمة التي تنشط عملية تجارة المخدرات ومعرفة أهمية أنواعها المتداولة.

تستهدف شبكات التهريب وتجارة المخدرات عقول الشباب والتأثير على إمكانياتهم في البناء والأعمار والتغيير وأبعادهم عن القيم العليا والأخلاق الحميدة ليشكلوا خطوط وطرق لهدم المجتمع والإساءة إليه ونبذ كل عاداته وتقاليده وقيمه والتعرض لحضارته وعدم الاهتمام ببنائه وتقدمه وجعله في مصافي الدول المتقدمة والمجتمعات المتحضرة، وهذا لا يتم إلا في حالة غياب قوة الدولة وافتقارها إلى المواجهة الحقيقية والأساليب الأمنية لمكافحة شبكات الفساد الاقتصادي والتهريب المالي وتجارة المخدرات بجميع أشكالها وأنواعها ، ولا تنشط وتتحرك هذه المفاصل الخبيثة إلا في أيام المحن والأزمات التي تمر بها البلاد وحالة التخبط في إدارة الدولة ومؤسساتها الحيوية وتفشي ظاهرة القتل والترويع والاختطاف وانعدام الرؤى الاقتصادية والبرامج التنموية التي تحتضن قابلية الشباب وتدعم إمكانياتهم وتحقق أهدافهم في التطلع لمستقبل زاهر واعد وغد أفضل، طاقات الشباب لا يمكن أن تستدام إلا إذا وجدت لها مجالات من الإبداع والبناء والأعمار والعمل في ميادين الفن والثقافة والأدب والشعر وتسخير جميع هذه الإمكانيات لخدمة شعوبهم و بلدانهم، وفي حالة الانحباس الاقتصادي وتفشي الفساد الإداري والمالي تكون تلك الدول أمام ظاهرة من الانحدار الأخلاقي والتباعد الاجتماعي وسوء الأوضاع المعيشية التي تؤدي إلى انهيار المنظومة الاقتصادية وزيادة التضخم ونسبة البطالة والفقر والعوز عند أبناء الشعب وبالتالي تكون أدوات فعالة في هدم صروح الدولة والمجتمع وتبتعد عن القيم الإنسانية والمبادئ السامية والروح النقية ، وهذا ما تسعى إليه دوائر الشر ومخططاتها الخبيثة وأدواتها العميلة.

Similar Posts