|

قضايا وآراء | محددات الفساد الاقتصادي في العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تقوم ركائز الدول وتستديم مقومات النجاح والتقدم فيها على عدة عوامل أساسية منها الآليات والوسائل التي تحددها مؤسسات ووزارات الدولة والمنهج العلمي والتربوي والخدمي القائم على برامج تنموية واصلاحات اقتصادية ترتقي بالمجتمع إلى حالة من الازدهار والعيش الكريم، وهذا لا يمكن أن يتحقق الا عبر دولة المؤسسات والمواطنة التي تعمل بجد واخلاص من أجل حياة حرة كريمة وشعب منتج معطاء يساند ويساهم في بناء بلده وجعله في مصافي الدول المتقدمة حضاريًا وانسانيًا وعمليًا.

تعتمد المفاهيم العلمية والدراسات الحديثة أسس وبرامج تقنية تساعد على تعزيز المنظور الاقتصادي في إدارة الدولة ورفع قدرتها الإنتاجية وتحسين أدائها وتشجيع كوادرها الوطنية واستثمار ثرواتها المحلية لكي ترتقي وترتفع بالناتج المحلي الذي يدعم قرارها السيادي واستقلالها السياسي وتكون لديها القدرة الإيجابية على قيادة المجتمع ضمن رؤية صائبة وأدوات ناجحة وأساليب ميدانية فاعلة.

إن القدرة الحقيقة لتحقيق هذه المعايير والأهداف في بناء الدولة ومقوماتها الشاخصة لا يمكن تحقيقها إلا عبر اقتصاد وطني وكفاءات علمية وابداعات شخصية ضمن إطار الحفاظ على الدولة وثرواتها واموالها من الفاسدين والمفسدين ومكافحة شبكات سرقة المال العام وتهريب الأموال وتبيضها واستخدام أساليب ووسائل بيع الذمم وشراء النفوس عبر الرشاوي والفساد السياسي والاقتصادي.

يعتبر الفساد ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تؤثر على جميع البلدان وتقدمها وازدهارها شعوبها، فالفساد يقوض مؤسسات الدولة ويبطئ التنمية الاقتصادية ويساهم في عدم الاستقرار الحكومي ويفسد مفهوم العدالة الاجتماعية والحفاظ على حقوق الإنسان وتحريف سيادة القانون وتعويم اداء القضاء وعدم تنفيذ القوانين والأنظمة والاحتكام إليها وتعطيل التنمية الاقتصادية بسبب غياب أدوات تشجيع الاستثمار الخارجي، كما أن دوائر القطاع العام داخل الدولة ستعاني من العجز عن تحمل الكلفة المطلوبة لبدء عمليات التشغيل بسبب الفساد.

ويمكن لنا أخي القارئ الكريم أن نعرف الفساد على أنه (أعمال غير نزيهة يقوم بها بعض الأشخاص الذين يشغلون مناصب في السلطة)، وهناك العديد من المواقف التي يمكن فيها اعتبار الشخص فاسدًا مثل إعطاء وقبول الرشاوى والهدايا بدون مناسبة تستدعي ذلك، وتحويل الأموال وغسيلها،

وللفساد آثار سليبة على كل جانب من جوانب المجتمع، حيث يتشابك تشابكًا وثيقًا مع الصراعات والاضطرابات مما يهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية ويقوض أسس المؤسسات الحكومية وسيادة القانون.

وأن التصدي لظاهرة الفساد واجتثاثه من المجتمع يعتبر مهمة وطنية عبر الحفاظ على المال العام وحماية المكتسبات الاقتصادية وتعزيز قيم النزاهة والأخلاق في التعامل مع مؤسسات الدولة ومقوماتها وادارة شؤونها.

ومن أكثر المظاهر التي اعتمدت في الفساد الإداري هي حالة الرشوة التي تتمثل بقيام الموظف بأعمال مخالفة لأصول وأخلاقيات المهنة لصالح بعض الأفراد مقابل عائد أو منفعة معيّنة، وتعد من أكثر أشكال الفساد إضرارًا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي عبر استغلال السلطة والنفوذ السياسي بشكل غير مشروع لخدمة مصالح الغير.

وهناك أداة أخرى لهدم معاول الاقتصاد الوطني والتأثير على البنية التحتية لاقتصاد البلاد

عبر غسيل الأموال وتهريبها للخارج بمساعدة الوسطاء والشركاء المعتمدين لدى بعض المصارف والبنوك الأهلية والشركات التجارية.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الأوضاع التي آلت إليها أحوال العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد في التاسع من نيسان سنة 2003 واستباحة الأرض العراقية وهدر ثرواتها واستغلال إمكانياتها لمقتضيات المصالح الدولية والإقليمية وتعرض العراق لكثير من الأزمات الاقتصادية وإضعاف البنية التحتية للمنظومة الاقتصادية بحيث انعكست آثارها على الواقع المجتمعي للمواطن العراقي وأدت إلى حدوث الكثير من الصعاب والمشاكل التي عانت منها معظم الشرائح الاجتماعية بحيث امتدت لتشكل الأبعاد الثلاث الرئيسية لمؤشر الفقر الذي اتسم به المجتمع بعد الغزو الأمريكي.

إن مواجهة تحديات الفقر تتعلق بضمان الأمن والاستقرار وتحقيق الأمن المجتمعي وإيجاد فرض العمل ومكافحة ظاهرة البطالة في شريحة الشباب التي تعتبر من أهم مظاهر التقدم في المجتمعات وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد البشرية بصورة صحيحة والحفاظ على تنوع مصادر الدخل في اقتصاد السوق.

وكلما تعاظمت صور الحماية البشرية والبرامج الإنسانية والآفاق الاجتماعية كلما كان المجتمع قائمًا على أسس متينة ويحظى باحترام واهتمام من قبل القائمين على النظم السياسية وحماية القانون وتطبيق العدالة الاجتماعية وتوجيه إنساني يخدم الحركة المجتمعية ويساهم في تعزيز الروابط المتينة بين أبناء الشعب وبناء دولة بعيدة عن أي أزمات اجتماعية واقتصادية ضمن إطار الإمكانيات المتاحة في البلاد وتوظيفها لمساعدة ودعم الطاقات الشبابية تشغيلها في كافة ميادين الحياة.

ويبقى الفساد الاقتصادي أحد الإشكالات التي يعاني منها أبناء الشعب العراقي حيث النسب الكبيرة في هدر المليارات من الأموال التي تذهب للفاسدين وتمثل أعمدة الاقتصاد العراقي ومنظومته المالية مع ازدياد في عمليات تهريب الأموال من قبل بعض الشخصيات المتنفذة والتي بلغت (350) مليار دولار خلال عقدين من الزمن وصدرت بحقهم أحكام غيابية في أغلبها ولكن لم يتم إعادة الأموال المهربة مع عدم وجود قناعة راسخة لأبناء البلد في رفع شعار مكافحة الفساد من قبل السياسيين والحكومة بفعل ضعف المتابعة وإحالة بعض القضايا للمحاكم ولكن دون جدوى تحقق الغرض الرئيسي في الحفاظ على المال العام وحماية الاقتصاد الوطني.

Similar Posts