من أمراض المجتمع (الانتقام من الحقيقة)

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

الأمراض الاجتماعية ليست كالأمراض النفسية التي يعرفها المختصون ويلاحظها الناظرون، فيعطف المتعايشون على المصابين بها، ويشخص المختصون أسبابها ويصفون علاجها طبقا للكتب والعلم والمهارة الطبية أو الممارسة العملية.

فالأمراض الاجتماعية تصيب الأصحاء نفسيا وبدنيا فلا يشخصها طبيب ولا يعالجها دواء إذ أن أسبابها الأساسية-على مستوى الأفراد – تختفي على الأغلب عن الاجتماعيين والمهتمين وربما على صغار الفلاسفة والمفكرين، عكس الأمراض والعقد النفسية التي تصيب النفس البشرية فيعزوها أهل الاختصاص عادة إلى مشاكل طفولة أو معاملة عائلة أو معاناة مدرسة أو حادث مؤثر في التكوين النفسي الأولي عند الإنسان، فيعثرون على العلة بيسر ثم ينطلقون إلى العلاج.

هذا الدافع الشخصي والسبب الفردي لا يظهر للمعالج الاجتماعي، ولكن الدافع العام الجمعي معروف ويسهل معرفته وإن تعقد وصعب علاجه، فعلى مستوى المجتمع يمكن رصد أسباب المرض الاجتماعي الذي يصيب العقل والسريرة. فالمجتمعات التي تعيب على الإنسان فقره -مثلا- ويعير الأولاد بعضهم بسببه وتتكبر النساء على بعضهن لأجله يدفع ببعض أبنائه المهزوزي الشخصية والنفسية إلى الكذب أو الاحتيال أو التظاهر أو -في أقل الأحوال- إلى التمثيل والادعاء ليتجنبوا هذا المصير المحرج، فيترسخ مرض اجتماعي لا يمت للأمراض النفسية بصلة.

والمجتمعات التي تقدس المظاهر – كالمناصب والغنى والشهادة ويجلّون أصحابها ويفسحون لهم الطريق دون الالتفات إلى حقيقة ما يحسنون- تدفع كثيرًا من أبنائها المهزوزين إلى شراء تلك المناصب و التقاتل عليها أو سلوك طرق غير مشروعة لكسب ذلك المال رشوة و سرقة و فسادًا أو السعي للحصول على تلك الشهادة تزويرًا وشراء واستغلال تفاوت الفرص والميزات، فتظهر طبقة من متقلدي المناصب “الموتورين” ومن الأغنياء “الفاسدين” ومن أصحاب الشهادات الجهلة أو “غير المستحقين” ، وكل واحد من هذه الفئات سيسقط سواد ماضيه وسوء تربيته وانعدام مبادئه وقلة موهبته وخسة أصله ووضاعة نفسه على من حوله ومن يتسلط عليهم ومن يؤثر فيهم، وسيكون لهم تأثير سلبي خطير على بنية المجتمع ككل،

فالمتنفذ الحكومي”الموتور” سيسعى إلى عرقلة كل أمر وتصعيب كل شأن وإلحاق الضرر بمواطنيه مدفوعا بالرغبة في إظهار استحقاقه للسلطة التي وصل إليها والتي يخاطبه عقله الباطن دوما أنه في مكان لا يستحقه وأن من يتحكم بهم اليوم هم أعلى منه شانًا وخلقًا أو حسبًا في حقيقة الأمر وأولى منه بهذا، فيكون قائده في التعامل معهم هو التكبر الذي يشعره بالتعويض والمساواة ، والتبهرج الذي يشعره بالتفوق المنشود، فيكون ضرره على المجتمع بالغًا، فلا برنامج ولا هدف ولا طموح إلا شيء واحد في نفسه هو “أن كونه موتورا هي حقيقة لا يستطيع التخلص منها” -وإن لم يجرؤ أحد على إخباره بها – وإن كل ما عليه هو “الانتقام من هذه الحقيقة”، فلا يأتي منه خير .

والغني بالفساد يفسد أكثر، فالفساد كان مصدره وسبيله للغنى وليس الجد والعمل فلن يسره أن يكون الأغنياء من حوله أصلاء ومكافحين أو وارثين لأن هذا يؤذيه ويعرّيه ويشعره بالدونية الخفية، وإن لم يبادره بها أحد ممن حوله إلا إنها تبقى حقيقة، وستكون كل أفعاله وتصرفاته تصب في “الانتقام من هذه الحقيقة”، فلا يصدر منه خير.

والمتصدر علميًا أو ثقافيًا بالتزوير أو المحسوبية أو بنظام التعليم المرتبك الفاشل، يعلم وإن كان تقلد موقعًا يخوله التحكم بمصير الطلبة أو جلس مجلسا يخوله فيه المجتمع الصامت بالصدارة والكلام، أو تأمر على من هو أحق منه شانًا وأصح منه علمًا وهو يعلم ذلك ويخشاه ويتهرب منه، فتراه إذا تعثر أو أخطأ -وهذا شأنه دائمًا- فلا يتراجع ولا يعتذر ولا ينسحب، وإن صدم بمن هو أعلم منه ورأى من نفسه حقيقتها بدا بالازدياد في التعامل السيء والمكابرة في الخطأ ومحاولة الإضرار بتلميذه النابه إذا عانده أو نبهه وبزميله الماهر أو من تحت مسؤوليته من المستحقين إذا ناقشه ليغطي على جهله ،، وكل هذا لا لسبب واضح إلا إن كونه جاهلًا غير مستحق هي حقيقة ولابد من “الانتقام من هذه الحقيقة”، فلن ينتج ما هو خير.

أما علاج هذا المرض فكما ترى فيما سلف من المقال من تشابك وتشعب هذا المرض وأسبابه وتغلغلاته، فإنه بحاجة إلى ثورة اجتماعية كاملة وتطهير كامل لكل المراحل والطرق المؤدية إلى وصول هؤلاء إلى حيث لا يستحقون، وإلا فالمرض مستفحل وسوف يولد أمراضًا أخطر وأمر.

Similar Posts