ذاكرة الإنكشاف الكبير
” أمهات غزة وبوصلة المقاومة “
بقلم : الخضر الشيباني *
في السلوك البشري المشاهد والمجرب عبر تاريخ البشرية ليس هناك أعظم من حنان الأم وعطفها ورحمتها بولدها في أي حال كانت من الفقر والمرض والجهل والتعب والحرج والمشقة فهي الوحيدة التي يمكن أن تضحي بسعادتها وروحها وكل ما تملك في سبيل أبنائها.
تجد الأم تدافع وتجادل وتنافح لإنقاذ ولدها مهما كان فعله ومهما كان خطأه ومهما كان عقوقه بل ربما تحملت عنه اللوم والغرم المادي والمعنوي ولولا الأحكام الشرعية والاعراف والقوانين البشرية لتحملت عنه سائر أنواع العقوبات.
ولذلك ضرب الله المثل لرحمته _ ولله المثل الأعلى _ على لسان نبيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم برحمة الوالدة لولدها.
فقد جاء في الحديث الصحيح في قصة المرأة من السبي التي جاءت تبحث في السبي عن ولدها فلما وجدته أخذته وألصقته ببطنها ترضعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟ ) قالوا : لا والله وهي تقدر على ذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( فالله أرحم بعباده من هذه بولدها ) .
فالأم بطبيعتها الفطرية تعطي أعظم الرحمة البشرية وأعظم التضحية وأعظم الفداء .
ولا يشذ عن هذه الأوصاف إلا أمهات ممسوخات بفعل المادية المتوحشة أو التعبئة المنحرفة عن كيان الأسرة والمجتمع السوي أو ناشزات بفعل تعليم المنظمات التنموية والحقوقية المشبوهة أوالواقعات في فخ عصابات الرقيق الأبيض والمافيا الدولية.
فهل تتصور بعد كل هذا أن توجد أم عاقل بكامل صحتها وعاطفتها وقوتها وشجاعتها فتتخلى عن فلذة كبدها وحشاشة قلبها من أجل أمر من الأمور أو هدف من الأهداف؟
الجواب:
نعم وجدت وعاشت وليست واحدة بل عشرات إن لم يكن بالمئات والالاف !!!
عجبا من هؤلاء الأمهات؟
وأين يعشن؟
وما حالهن اليوم؟
والجواب:
إنهن الأمهات المؤمنات الصابرات القانتات المحتسبات المجاهدات الماجدات في غزة الإباء والصمود.
لله درهن ودر أمهات أنجبتهن وآباء قاموا على رعايتهن وأرض عشن على ثراها.
إنهن أمهات غزة اللواتي يحببن أبنائهن حب الوالدة لولدها لكنهن يرفعن أصواتهن بالزغاريد عندما يصلهن أخبار استشهادهم.
فسبحان الله العظيم الذي جعل إيمانهن ثابتا كالجبال الرواسي ورؤسهن شامخات كالقمم الشماء.
وإذا كان العجب لا ينقضي من هؤلاء النسوة لأنهن احتسبن فلذات أكبادهن وشجعنهم للموت في سبيل الله وتحصيل الشهادة.
فإن العجب يعظم عندما تتخلى تلك الأم عظيمة العاطفة والحب عن ولدها في آخر لحظات حياته ولا يرف لها جفن ولا تدمع لها عين!
سبحان الله ماذا جرى لها؟
إنها أم مجاهدة صابرة ابتليت بولدها العاق وليته عاق لها فحسب بل عاق لأهله ومجتمعه وبلاده وأمته فانظم إلى قافلة الخونة والمرجفين وعمل عينا وجاسوسا للعدو يبلغ عن أماكن المقاومين وتحركاتهم من أجل لعاعة من الدنيا زائلة أو وعد زائف _ بالسيطرة على السلطة بدلا عنهم _ حقنه في قلبه مرضى النفوس أو اعداء الملة والبلاد كما هي سيرتهم عبر تاريخ الأمة قديما وحديثا
قال تعالى عن المنافقين في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم:
(يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنيين ولكن المنافقين لا يعلمون) المنافقون : 8 .
لقد اقشعر جسدي عندما رأيت تلك الأم الغزاوية الفلسطينية تضع قدمها وبكل ثبات وقوة على رقبة ولدها الذي تم إعدامه رميا بالرصاص بعد اكتشاف خيانته.
وتلقى عليه كلمات السب المتوالية.
ولسان حالها:
نعم أنت ولدي وحملتك في بطني لكنك بعد فعلتك المنكرة وعملك المشين لست بولدي إنك عمل غير صالح.
وكأنها تتلزم الأمر الرباني الذي وجه الله به نبيه نوح عليه السلام عندما سأله بعاطفة الأبوة أن ينقذ ابنه الذي لم يركب معه في السفينة فقال له عز وجل:
(يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) هود: 46
أخي القارئ الكريم:
هذا المشهد الأخير وما قبله إنما قصدت به لفت نظرك والاشارة للمحور الثالث من محاور الانتصار في غزة الإباء والصمود ألا وهو محور:
” وحدة الهدف والوجهة وترتيب الأولويات “
لنعلم إن هذه الأم لم تكن كذلك فلتة لا تتكرر وإنما هي نتاج بيئة ومجتمع حدد هدفه ووجهته ورتب أولوياته.
وبالتالي فهو يتعامل مع كل شيء حوله وفق ذلك إيجابا وسلبا.
وهو لا يقبل أن يكون في صفه مخذلين ودخلاء وعملاء وخونة وأناس مشبوهين يحرفون بوصلته عن اتجاهها أو يتسببون في تأرجحها خارج الخطط المعدة والمرسومة.
نعم لقد استطاعت المقاومة وحركتها وفصائلها وشعبها في غزة أن تحدد هدفها بشكل واضح لا يجعله عرضة للتغيير والتبديل بحسب أمزجة فرد أو أفراد _ حتى من القادة _ دون المجموع.
ولم تغرق كذلك في فخ تعدد الأهداف الكبرى بل جعلته هدفا واضحا يفهمه ويدركه الجميع من الطفل المميز الصغير وحتى الكهل الكبير إنه هدف:
” دحر الاحتلال الصهيوني ” وكفى.
وبعد أن حددت الهدف حددت الوجهة المستهدفة ألا وهو ” الكيان الصهيوني ” فقط دون غيره مع إنها تعلم أن لهذا الكيان أعوانا وجنودا من خارجه يظهرون تجاهها غير ما يبطنون وهي ترصدهم وتحيدهم وربما مدت يدها لهم إذا مدوا يدهم بالعون الظاهري.
لكنها مهما توجهت في جهودها المضنية يمنة ويسرة شرقا وغربا شمالا وجنوبا فإنها تشير في الختام إلى نفس الاتجاه وإلى نفس المستهدف ألا وهو الكيان الصهيوني الغاصب.
وفي هذا السياق مدت المقاومة يدها لكل من يشاركها الهدف والوجهة دون تنازل عقدي أو شروط مذلة أو ابتزاز سياسي وحشدت طاقاتها الفكرية والاعلامية والسياسية والعسكرية بهذا الاتجاه فقط دون غيره.
ولم تشغل نفسها بالقضايا الأخرى إلا بقدر أداء الواجب أو بالقدر الذي يساعدها في الاستمرار بالتعريف بقضيتها العادلة.
ولعل هذا المسار الحكيم هو أحد مكامن القوة والثبات لمواقف هؤلاء الأبطال في الميدان وقدرتهم على التخطيط الفعال والمركز.
فإن الخضوع لكثرة الاقتراحات من داخل الصف دون رسوخ والسماع لانتقادات الداعمين المتفرجين ونصائحهم الباردة وأحيانا شروطهم الأنانية المجحفة _ من وراء الكواليس وتحت الطاولات _ مما يعيق السير ويرهق الشجعان ويفتر عن تحقيق الأهداف الصغيرة والشخصية فما بالك بمن يحمل هدفا بحجم شعب بل بحجم أمة مثل هدف تحرير فلسطين وتحرير المسجد الأقصى .
والأمر الثالث في سياق هذا المحور ترتيب الأولويات:
ومن حدد هدفه ووجهته بشكل واضح فلن يكون عاجزا عن ترتيب الأولويات لأنها ترتب وفق معايير وميازين مختلفة وحسب مقتضيات تحقيق الهدف الكبير والأهداف التفصيلية التي تقود إليه وأحسب أن الكلمة الوحيدة الجديرة بالتعبير عن وعي أهل غزة وقادتها لترتيب الأولويات هي:
الإعداد ثم الإعداد ثم الإعداد.
لقد أيقن هؤلاء المرابطون بوعد الله ونصره فمتى تحقق الشرط وجد المشروط:
(يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد : 7 .
وعلموا أن أهم شرط لاستجلاب نصر الله جل وعلا طاعته في أمره ونهيه وأعظم الأمر في هذا الطريق هو ما جاء صريحا في قوله عز وجل:
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) الأنفال : 60 .
فلله در أهل غزة ولله در أمهاتهم ولله در المقاومين فيها.
ويا رب اهد قومنا من العرب وأهل الإسلام لعلهم يفلحون ولعلهم يرشدون.
* كاتب وباحث يمني _ مدير عام مركز الكلمة الطيبة للبحوث ( صنعاء سابقا ) .