وهم الديمقراطية الأمريكية
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تتخذ المجتمعات المتقدمة والبلدان الناجحة مسارات صحيحة في علاقتها مع شعوبها لتحقيق الأهداف والغايات من بناء الإنسان باعتباره قيمة حضارية عليا وتحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان والالتزام بحرية الرأي والتعبير الصادق عن الفكر الحضاري والمعاناة الإنسانية ومتطلبات الحياة العامة وتمتين العلاقة المجتمعية مع جميع أبناء البلاد بتنوع مذاهبهم وقومياتهم وتحقيق التماسك في النسيج الاجتماعي الكبير الذي يضمن حياة حرة كريمة ومستقبل زاهر تتمتع فيه الشعوب الحرة بحرية من العمل المتفاني والإنتاج الميداني وصولاً إلى تنمية مجتمعية راقية واقتصاد وطني وإرادة سياسية مستقله، ولا تتحقق هذه الأماني والأهداف إلا بوجود حرية في التعبير وإبداء للآراء وتحقيق للمعرفة وانتشار للمفاهيم الديمقراطية الحقيقية.
وأمام هذه المعطيات والقيم الإنسانية واحترام حقوق الإنسان قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2007 الاحتفال بيوم 15 أيلول من كل عام باعتباره اليوم العالمي للديمقراطية بهدف تعزيز مبادئ الديمقراطية والتمسك بها ودعت جميع الدول الأعضاء والمنظمات للاحتفال بهذا اليوم بطريقة مناسبة تساهم في رفع الوعي العام لدى الشعوب وترسيخ القواعد الأساسية والمفاهيم القيمة المبادئ الديمقراطية في التعامل والسلوك اليومي.
يتيح اليوم الدولي للديمقراطية الفرصة لاستعراض حالة الديمقراطية في العالم، فالديمقراطية هي عملية بقدر ما هي هدف ولا يمكن لمثال الديمقراطية أن يتحول إلى حقيقة واقعة يحظى بها الجميع في كل مكان إلا بالمشاركة الكاملة والدعم من قبل المجتمع الدولي والهيئات الحاكمة الوطنية والمجتمع المدني والأفراد ويمكن تحويل المثل الأعلى للديمقراطية إلى حقيقة ليتمتع بها الجميع في كل مكان، ومنها حرية التعبير التي تعتبر حق أصيل من حقوق الإنسان حيث تنص عليها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلا أن هناك كثيرون في كافة أنحاء العالم ممن يسعون إلى اعتماد سبل لإعاقة تنفيذ هذه المادة والعمل بها.
تنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن (لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرِيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود).
تعرف الديمقراطية اصطلاحاً بأنها نظام الحكم، حيث تكون السلطة العليا بيد الشعب، الذي يمارس سلطاته بشكل مباشر، أو عن طريق مجموعة من الأشخاص يتمّ انتخابهم لتمثيل الشّعب بالاعتماد على عملية انتخابية حرة.
يوفر هذا اليوم الدولي للديمقراطية فرصة لاستعراض حالة الديمقراطية في العالم والتعريف بالقيم المتعلقة بحرية واحترام حقوق الإنسان ومبدأ تنظيم انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام وهي عناصر ضرورية للديمقراطية. والديمقراطية توفر بدورها تلك البيئة الطبيعية اللازمة لحماية حقوق الإنسان وإعمالها على نحو يتسم بالكفاءة، وهذه القيم واردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما أنها مذكورة بالتفصيل في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكرس مجموعة من حقوق
الإنسان والحريات المدنية من شأنها أن تساند الديمقراطيات الهادفة.
تهيئ الديمقراطية بيئة مناسبة لحماية حقوق الإنسان وتؤسس وتعمل على نظام اجتماعي يؤكد قيمة الفرد وكرامته الشخصية الإنسانية ويقوم على أساس مشاركة أعضاء الجماعة في تولي شؤونها، وتتخذ هذه المشاركة أوضاعاً مختلفة وقد تكون الديمقراطية سياسية ويكون الشعب فيها مصدر السلطة وتقرر الحقوق لجميع المواطنين على أساس من الحرية والمساواة من دون تمييز بين الأفراد بسبب الأصل، الجنس، الدين أو اللغة، ويستخدم اصطلاح الإدارة الديمقراطية للدلالة على القيادة الجماعية التي تتسم بالمشورة والمشاركة مع المرؤوسين في عملية اتخاذ القرارات.
أردت من استعراض هذه المفاهيم والمصطلحات الخاصة مفهوم الديمقراطية أخي القارئ الكريم أن أصل إلى فترة من تاريخ العراق ابتدأ بالغزو الأمريكي للبلاد في التاسع من نيسان 2003 وأتى بمفاهيم وأطر ميدانية لم تستند إلى حقائق بل كانت مجموعة من الأكاذيب والأباطيل التي سوغت الاحتلال وادعت زوراً وبهتاناً أنها تسعى لتحقيق الديمقراطية الشعبية واحترام حقوق الشعب العراقي والعمل على جعله واحة خضراء ومرتكزا كبير في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
لم تتمكن الإدارة الأمريكية وحليفتها بريطانيا من تحقيق مآربها وأهدافها العدوانية بإقامة نظام سياسي فاعل ومتمكن من إدارة شؤون البلاد وفشلت في إعداد برامج سياسية واقتصادية تساهم في بناء العراق واعتباره (واحة خضراء للديمقراطية) في منطقة الشرق الأوسط ولم يتحقق شيء من ذلك البتة ،فجاءت عمليات المواجهة الشعبية والجماهيرية الحقيقية برفض العدوان والاحتلال ومواجهته بشكل مباشر عبر المقاومة الصلبة للقوى والأحزاب الوطنية والمناهضة للسياسة العدوانية الأمريكية وأدوات الظلم والتعسف والاضطهاد وبمشاركة أحرار العراق الغيارى التي ساهمت في افشال مخططات الاحتلال.
جاءت سنوات الغزو لترسم صور مؤلمة لواقع مأساوي يعيشه أبناء الشعب العراقي بانعدام مفهوم دولة المواطنة وضياع مبادئ العدالة الاجتماعية وغياب أسس الحياة الحرة الكريمة لينشئ بديلاً عنها دولة المليشيات والعصابات المسلحة التي أسست للدولة العميقة وبدأت تؤثر في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية وتتلاعب بمقدرات البلاد وفقًا لأهدافها ومشاريعها مستخدمة أدوات الترهيب والقتل والاختطاف والتغييب القسري والاغتيال السياسي.
أصبح الغزو الأمريكي عنوانا للفساد الاقتصادي بعد أن انطلقت عملية إعمار العراق وتخصيص المبالغ الكبرى وبمليارات الدولارات وإيجاد قنوات وأساليب لسرقة ونهب ثروات العراق والموارد المالية لشعبه المجاهد، فشهدت عملية الإعمار (ظاهرة الفساد) التي أسس لها الحاكم المدني الأمريكي (بول بريمر) الذي يتحمل مسؤولية ضياع (17) مليار دولار من أموال النفط العراقي خصصت للمساعدة في إعمار البلاد بعد الاحتلال وتم سرقتها والتصرف بها من قبل سلطات الاحتلال الأمريكي.
وكان مفهوم الديمقراطية التي ادعتها الإدارة الأمريكية وهماً وكذباً بعد القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الثلاثاء 22 كانون الأول 2020 والمتعلق بالعفو عن مجرمين وأشخاص متورطين بسفك الدم الزكي العراقي في فضيحة شركة الأمن الخاصة ( بلاك ووتر ) والذين أدينوا بقتل (14) مواطنا عراقيا مدنيا وجرح (17) أخرين من الأبرياء في حادثة ساحة النسور بمدينة بغداد بتاريخ 16 أيلول 2007 والتي تسببت بفضيحة دولية واستياء شعبي وإنساني جماهيري كبير نتيجة الظروف المحيطة بالحادث والذي جاء بعد سلسلة من عمليات القتل والترويع والاغتيال الذي قامت به قوات الاحتلال الأمريكي- البريطاني لأبناء شعبنا العراقي المجاهد والتي تلت غزو العراق .
جاء قرار العفو بحق هؤلاء المجرمين بعد أن صدر الحكم القضائي ضدهم وحكم عليهم عام 2015 بالسجن مدة تتراوح ما بين 30 سنة والمؤبد.
كانت جريمة ساحة النسور صورة واقعية للدور التخريبي والعدواني الذي تمثله قوات الاحتلال الأمريكي وصورة واقعية للهمجية والعنصرية البشرية التي تتصف بها الإدارة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والأمنية في احتلالها للبلدان المستقلة وإيذائها للشعوب الحرة والإساءة لسمعتها وانتهاك لكرامتها والمس بعزتها وشخصيتها المعنوية الإنسانية.
أكدت الإدارة الأمريكية وبقرار ترمب بالعفو عن هؤلاء المجرمين أنها لا تهتم بدماء الشعوب ولا تقيم وزناً لمشاعرهم وحريتهم بل أنها تمعن وتساعد وتساهم في هدر الدماء الطاهرة وهذا ما حدث مع أبناء شعبنا المكافح ومنها حادثة النسور التي ذهب ضحيتها العديد من أبناء الوطن الأبرياء وأكدت الولايات المتحدة الامريكية أنها تفتقد إلى معايير وأسس ومفاهيم العدالة الاجتماعية التي تدعيها وأفقدتها السمعة الدولية التي يرى فيها الأخرون السمة الإيجابية والصورة الحاضرة لأدوات القضاء الأمريكي عندما يغض النظر عن قرار العفو الرئاسي الذي يحتوي إساءة واضحة لمبادئ وحقوق الانسان وعدم احترام حرية الشعوب والاستهانة بمشاعرهم ومنهم عوائل وأبناء شهداء واقعة النسور.