انتفاضة تشرين … ثبات وايمان

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الرابعة للانتفاضة الشعبية العامة التي قام بها أبناء الشعب العراقي واستحضروا فيها القيم والمبادئ العليا والتاريخ الخالد لبلادهم العراق الأبي، فكانت صور ومشاهد الانتفاضة المباركة التي سطر ملامحها شباب وشابات العراق الذين رفضوا الذل والخنوع والظلم والتعسف الاجتماعي والتبعية السياسية للنظام الإيراني والارتهان لمشروعه السياسي الذي يتخذ من العراق ركيزة للانطلاق نحو الأفق والمدى العربي في تعزيز تواجده ونفوذه في العديد من العواصم العربية ،هذا الشعب المنتفض رسم ملامح قضيته وأشر مواطن الضعف والانحلال في المنظومة السياسية على مدى عقدين من الزمن، كانت نتيجة واضحة المعالم والدلائل للغزو والاحتلال الأمريكي للعراق وفشل العملية السياسية وبجميع أدواتها وصورها وشخوصها في معالجة جميع الأزمات التي عصفت بالمجتمع العراقي بل هي كانت إحدى الأدوات والوسائل التي أوصلت البلاد الى الضياع والفساد والفشل ونهب الثروات وعدم وضوح المستقبل الواعد للشعب العراقي.

هذه الانتفاضة أبدعت في رسم لوحات الصمود والتصدي وأعطت صورة جميلة للعنفوان العراقي الذي التحمت به جميع أطياف المجتمع وأكدت صلابة ووحدة العراقيين وحبهم وانتماءهم لبلدهم وعشقهم لتاريخه وحضارته ومجده التليد، وجاءت الانتفاضة المباركة شامخة متقدة ناطقة بالحق وبأوجاع الشعب العراقي ومنحت زهواً وأملاً بمستقبل زاهر يتطلع إليه جميع الشرفاء المخلصين من أبناء الوطن الحبيب فأعلنت عن وحدة العراقيين وأبدعت في رسم الملحمة الوطنية الشعبية بأيادي عراقية شبابية مخلصة واعدة ترتشف من مياه دجلة والفرات وترتوي من مياههما العذبة متمسكة بجذور الانتماء الحضاري لبلاد الرافدين التي لم تُعرف سوى الحق والوقوف ضد الباطل ومواجهة الطغاة والسارقين والمارقين عبر التاريخ العراقي المجيد.

كان استمرار المد الشعبي والتضامن الجماهيري مع انتفاضة تشرين المباركة صورة بهية دلت على حقيقة ناصعة وهي الثبات والقوة والإسناد المعنوي الذي أفصحت عنه الجموع البشرية التي انتشرت في الميادين والساحات العامة في مدن وأقضية المحافظات الوسطى والجنوبية الشماء وفي مدينة بغداد الحبيبة وساحاتها الوضاءة بالحرية والمتعطشة لنيل حريتها وكرامتها وطرد الغزاة والمحتلين وأذنابهم وفضح أساليبهم وكشف مطامعهم وارتباطاتهم وفسادهم السياسي والاقتصادي وتبعيتهم للقوى الدولية والإقليمية بعيدا عن مصالح شعبنا وغايته في الحياة الحرة الكريمة .

أشرت هذه الوقفة الثورية صور وملاحم بطولية أكدها العقل العراقي المتقد وبوقائع جميلة لم يتصف بها إلا شعبنا المكافح فكانت الجموع المنتفضة تعتصم وتفترش أرض وساحات الميادين العامة، ويأبى العقل العراقي إلا أن يكون مشاركاً كبيراً وواعياً معلناً تأييده ومساندته من خلال التواجد الواسع من المفكرين والأدباء والشعراء والمثقفين الذين ساهموا في إصدار صحيفة (التكتك) الذي أصبح رمزاً وطنياً عراقياً وملحمة شعبية كبيرة يعتز بها هذا الجيل وتفتخر بها الأجيال القادمة بعد أن سطر المنتفضون أروع صور الكفاح وهم يستقلون هذه العجلة الجميلة بهمة ونشاط وعشق للحرية .

هذه الصحيفة أثرت المشهد السياسي العراقي والشعور الوجداني للمنتفضين ووثقت صيحاتهم ومواقفهم وثباتهم وأهدافهم ضد الظلم والطغيان والتعسف الاجتماعي ، وجاءت الإذاعة الميدانية في ساحة التحرير لتصدح بالأغاني الوطنية والأناشيد الكفاحية والكلمات والمقالات الحماسية التي تسطر ملاحم ومواقف الشعب العراقي المنتفض ولتكون صوت الشرفاء في الميادين ولتعلن عن حقيقة وصواب الفكر العراقي وخصوصيته ونضوجه وحبه للعلم والثقافة والتطلع نحو المستقبل الواعد ،ومع صحيفة (التكتك) وإذاعة التحرير كانت هناك المبادرة الراقية للإبداع الإنساني في إيجاد مكان جميل ومرتب وأنيق للكتاب العراقي والعربي ضمن مكتبة متواضعة في أروقة ساحة التحرير يطالع فيها الشباب المنتفض ويقرأ ويغذي روحه وعقله بالكلمة الملتزمة ،هذه كانت مشاهد لشعب يعشق الحياة ويسعى لمستقبل زاهر رافضاً الوقائع التي أضاعت البلاد وسرقت الثروات وأمعنت في الفساد وكانت أداة ظالمة في ضياع العراق .

سعت العديد من الجهات في محاولة إخماد وهج الانتفاضة مستخدمة الأسلوب القمعي والاضطهاد الاجتماعي في ملاحقة الشباب المنتفض وإلقاء القبض عليهم واختطاف العديد منهم وقطع التيار الكهربائي عن الساحات العامة التي يتواجدون فيها لتنفيذ الإجراءات التعسفية بحق أبناء الشعب العراقي المنتفض.

كانت هذه الأساليب واضحة ومكشوفة للمتظاهرين مدركين حقيقة وتصرف هذه الحكومة آنذاك وسعيها لمحاولة وأد الانتفاضة ولكنهم أصبحوا أكثر إصراراً وأكثر ثباتاً وأكثر عنفواناً في الاستمرار بالدفاع عن حقوقهم ومطالبهم في مستقبل زاهر بعيدا عن هؤلاء الفاسدين.

Similar Posts