ظاهرة الفقر إحدى صفحات الفساد في العراق
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تحتفل دول العالم كل عام باليوم الدولي للقضاء على الفقر في 17 تشرين الأول بهدف الحد من ظاهرة الفقر التي تؤثر في حياة الشعوب
يهدف هذا اليوم إلى تعزيز التفاهم والحوار بين من يعيشون في فقر وبقية أطياف المجتمع.
وأن من يعيشون في براثن الفقر المدقع غالباً ما يعملون لساعات طويلة ومرهقة في ظروف خطيرة وغير منظمة، لكنهم مع ذلك عاجزين عن كسب ما يكفي لإعالة أنفسهم وأسرهم بشكل مناسب.
بحصول الجميع على العمل اللائق والحماية الاجتماعية بوصفها وسيلتين من وسائل دعم الكرامة الإنسانية لكل الناس والتأكيد على أن العمل اللائق يجب أن يحسن من أحوال الناس، ويتيح أجوراً عادلة وظروف عمل آمنة، كما يقر كذلك بالقيمة المتأصلة والإنسانية لكافة العمال.
هناك حاجة ماسة إلى إتاحة الحماية الاجتماعية الشاملة لضمان أمن الدخل للجميع، مع إعطاء الأولوية لأفراد المجتمع الأضعف. وشعار هذا اليوم هو كذلك دعوة للقادة السياسيين وصانعي السياسات لاعتماد الكرامة الإنسانية بوصلة إرشادية في كافة عمليات صنع القرار، لضمان النهوض بحقوق الإنسان الأساسية والعدالة الاجتماعية عوضا عن السعي لتحقيق أرباح تجارية للشركات.
وتعد الشراكات العالمية القوية بين الحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني حيوية لتحقيق التنمية العادلة وضمان شمول الجميع. ولذلك فإن التذكير بهذا اليوم هو فرصة للتضامن مع الأشخاص الذين يعيشون في الفقر، والاستماع باهتمام إلى كفاحهم اليومي، وتجديد الالتزامات بإنشاء اقتصاد عادل يركز على حماية رفاهية الإنسان والبيئة
عوضا عن تعظيم المكاسب المالية والهدف النهائي هو القضاء على الفقر تماما بتهيئة الظروف التي تمكن كل فرد من العيش بكرامة.
يمثل اليوم الدولي للقضاء على الفقر فرصة للاعتراف بجهود ونضالات الأشخاص الذين يعيشون في فقر، وفرصة لهم للتعبير عن مخاوفهم ولحظة للاعتراف بأن الفقراء هم في طليعة الكفاح ضد الفقر.
يرجع الاحتفال باليوم الدولي للقضاء على الفقر إلى يوم 17 تشرين الأول من عام 1987، ففي ذلك اليوم اجتمع ما يزيد على مائة ألف شخص تكريما لضحايا الفقر المدقع والعنف والجوع، وذلك في ساحة تروكاديرو بباريس، التي وقع بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 و أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضافر بينهم بغية كفالة احترام تلك الحقوق.
يتجمع كل عام في السابع عشر من تشرين الأول أفراد من شتى المشارب والمعتقدات والأصول الاجتماعية لإعلان التزامهم من جديد إزاء الفقراء والإعراب عن تضامنهم معهم.
واهتمت منظمة الأمم المتحدة بظاهرة الفقر وتأثيراتها على المجتمعات الإنسانية وآفاق التنمية المجتمعية الشاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية إلى إصدار القرار 47/196 المؤرخ 22 كانون الثاني 1992 الذي أعلنت فيه السابع عشر من تشرين الأول اليوم الدولي للقضاء على الفقر ودعت الدول إلى تخصيص ذلك اليوم للاضطلاع، حسب الاقتضاء على الصعيد الوطني، بأنشطة محددة في مجال القضاء على الفقر والعوز وللترويج لتلك الأنشطة ودعا القرار المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية إلى مساعدة الدول على تنظيم أنشطة وطنية احتفالا باليوم وطلب إلى الأمين العام أن يتخذ ما يلزم من تدابير في حدود الموارد المتاحة لضمان نجاح احتفال الأمم المتحدة باليوم الدولي للقضاء على الفقر.
وفيما يحتفي العالم في هذا اليوم فعليك عزيزي القارئ ان تعلم أن العراق يقع في المرتبة (78) عالميا والمرتبة الثامنة عربيا في قائمة أكثر البلدان فقراً، فقد شهد العراق ارتفاعا ملحوظا بمعدلاته نتيجة الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد.
وكشفت وزارة التخطيط العراقية في شهر نيسان 2023 عن أن نسبة الفقر في البلاد تبلغ 22 بالمئة، (أي ما يعادل نحو 10 ملايين نسمة) في بلد يربو عدد سكانه على 43 مليونا.
ويؤثر الفقر المدقع بأكثر من 11 مليون عراقي، علاوة على وجود 6 ملايين يتيم ومليوني أرملة، بفعل الحروب العديدة التي عاناها العراقيون، وأكثر من 4 ملايين يعيشون في العشوائيات والبيئات الطرفية المهمشة، وهو ما يستوجب معالجة هذه المشكلة المزمنة، واعتماد
برامج واستراتيجيات إصلاح كبرى تخلق فرص العمل وتشجع الاستثمارات وتوظف الثروات في إطار تنمية مستدامة.
ان عملية التغيير والإصلاح للبنى الاقتصادية للبلاد لا تتم إلا عبر شخوص قادرة على العمل بانتظام وتملك رؤية صادقة للوفاء لبلادها واستقطاب الكفاءات العلمية والتقنية واستخدام الأسلوب الحضاري في دعم هذه الكفاءات بجميع الإمكانيات والتطورات التكنلوجية السائدة في العالم وتحسين الأداء الإنتاجي والصناعي ومنافسة المنتوج الخارجي في جميع السلع والحاجيات الاستهلاكية التي يكون الفرد بحاجة إليها.
عندما تستمر مسيرة العمل والإنتاج نكون أمام حالة من اتساع رقعة العمل الجماعي واحتضان الشباب ومنع حالة البطالة وزيادة التضخم الاقتصادي الذي يؤثر على سياسة البلاد ماليا ويشكل هدرا لمواردها وطاقتها البشرية والمادية وتكون الأداة الحقيقية في تحسين الواقع المعاشي والحياتي لأبناء الشعب.
والعراق كما معروف يمتلك خامس احتياطي للنفط عالميا بواقع 143مليار برميل وينتج منذ عام 2012 ما يعادل 3,4 مليون برميل يوميا ويمتلك من الغاز الطبيعي 132 تريليون قدم مكعب ، وهذه الإمكانيات والموارد الطبيعية لم يتم استغلالها بشكل إيجابي يساهم في تعزيز البنية الاقتصادية بإقامة المشاريع الإستراتيجية التي تعزز ميادين التنمية الاجتماعية بل أبقت البلاد وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 في حالة من التخلف وابتعد عن التطور التكنولوجي والصحي والعلمي بسبب الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل المحتل الأمريكي الذي أسس لسياسة الاقتصاد الحر واقتصاد السوق وهي التي عمقت أزمة الفقر واتساعه وأدت إلى نشوء طبقة طفيلية مستغلة من عدد من الشخوص التي تمتلك علاقات واسعة ضمن الإطار الحكومي المؤسساتي وحتى بين مسؤولي أحزاب السلطة الحاكمة في بغداد وهم الذين شكلوا طبقة اجتماعية من الأغنياء و(الحواسم) مما أدى إلى هبوط المستوى المعاشي للطبقة المتوسطة وتدني الأحوال المعاشية للطبقة الكادحة .
لا يمكن معالجة ظاهرة الفقر والبطالة في المجتمع العراقي إلا عبر أدوات ووسائل ناجحة وفعالة تتسم بمعايير الاهتمام المباشر بحاجة المواطنين والسعي لتلبية احتياجاتهم ورفع مستوى معيشتهم بإيجاد سياسة اقتصادية إستراتيجية قائمة على أسس وبرامج تحقق النهضة الصناعية والتجارية وتحقق التنمية الاجتماعية وتستثمر موارد البلاد الطبيعية من النفط والغاز وعائداتهما المالية في إقامة المشاريع الإستراتيجية وتعزيز البنية التحتية للبلاد ورفع مستوى الأداء الإنتاجي للمواطنين والعمل على تحسين النموذج المحلي الزراعي وعدم اغراق الأسواق العراقية بالمستورد من المحاصيل الزراعية التي أسهمت في تدهور الزراعة صاحبها شحة المياه وعدم اتخاذ الإجراءات الحكومية والمواقف الحازمة تجاه حقوق العراق المائية التي تكفلها المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتوجه نحو إيجاد فرص عمل حقيقية للشباب العراقي ودعم الكفاءات العلمية من الخريجين ورفع الإنتاج المحلي وتعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد .