حرية الإنسان وحقه في العيش بسلام
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تعتبر الأصول الحقيقية في بناء صرح المجتمع وتقدمه ورقي شعبه باعتماد الأسس الرصينة في احترام إرادة الإنسان وتعزيز مكانته والأخذ بيده نحو آفاق المستقبل وتحقيق الأهداف والغايات التي يسعى إليها، وهذا لا يتم إلا من خلال الدعم الذي توليه الدول بمؤسساتها وإدارتها الخدمية عبر تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع أفراد الشعب باختلاف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم ورسم ملامح التنمية المجتمعية وأحكام أدوات الأمن المجتمعي الذي يؤدي إلى حماية المواطنين والسهر على راحتهم وبناء مستقبل أجيالهم.
ومن أهم مبادئ الأمن تحقيق الأمان في مجمل الأوضاع الميدانية وعبر وسائل وأدوات ناجحة وترسيخ مرتكزات المحبة والتألف والتآزر بين أفراد المجتمع وصولًا إلى حالة من السلام والاطمئنان والسكينة التي تعمل على إنجاح الخطط التنموية والمشاريع الاستثمارية في أجواء من الهدوء والانضباط المجتمعي.
تعمل جميع الدول المتقدمة على اعتماد مبادئ حقيقية وأهداف رصينة لتحقيق أفضل الطرق لبناء مجتمعاتهم وتقوية إرادة شعوبهم وتوسيع دائرة الأمن التي تساهم في إعداد الفرد إعدادًا متكاملًا وذا عطاء بارز والتزام باحترام المجتمع والسعي الحقيقي لبنائه وتعزيز بنيته الإنسانية.
هذه المفاهيم الاجتماعية والأسس المنطقية جعلت الأمم المتحدة تعتمد أصول الحفاظ على حرية الإنسان وحقه في العيش بسلام وأمان وتنظيم حياته ومستقبل عائلته بما يضمن له غدا مشرقا وراحة واطمئنانا في المكان والموقع الذي يشغله، وتدارست الأمر مع جميع الدول الأعضاء واتخذت قرارًا انسانيًا ووجدانيًا اعتمدت فيه الحادي والعشرين من شهر أيلول من كل عام يومًا عالميًا للسلام وأعلنته يومًا مكرسًا لتعزيز مثل وقيم السلام في أوساط الأمم والشعوب وفيما بينها، وبمناسبة الذكرى الثلاثين لإحياء هذا اليوم تضمن شعار الاحتفالات في هذه السنة ( السلام والديمقراطية).
حيث رسمت الجمعية العامة للأمم المتحدة القيم اللازمة لثقافة السلام، والتي تشمل على احترام الحياة وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعزيز حالات مواجهة العنف من خلال التعليم والحوار والتعاون، والالتزام بالتسوية السلمية للصراعات والتمسك بالحرية والعدالة والديمقراطية والتسامح والتضامن والتعاون والتعددية والتنوع الثقافي والحوار والتفاهم على جميع مستويات المجتمع وبين الأمم.
تحتفل دول العالم بيوم السلام وفق مفاهيم وأهداف اجتماعية انسانية تتجمع القلوب فيها وتنظر نحو هدف مشترك بتحقيق السلام العالمي، ولعل ما يميز هذا اليوم هو قدرته على توحيد الجهود المتباينة تحت راية واحدة تتسامى فوق كل خلافات سياسية واقتصادية، لترسم صورة إنسانية نبيلة تليق بتاريخ البشرية وتطلعاتها المستقبلية.
ويرتكز المفهوم العام للسلام على عدة مضامين أهمها، كونه
أساس التنمية المجتمعية وتحقيق الازدهار في البناء والإعمار ولا يمكن تحقيق التقدم في أي مجتمع دون وجود بيئة آمنة ومستقرة، وسلام يحمي الأرواح ويحافظ على حياة الإنسان بتجنب الحروب والصراعات السياسية والنزاعات المسلحة وسفك الدماء، وتعزيز حقوق الإنسان بما يتيح للناس ممارسة حقوقهم الأساسية بحرية وكرامة، وتشجيعهم على الحوار في حل الخلافات بشكل سلمي وبناء جسور من التفاهم بين مختلف الثقافات، وهذه الأسس الرصينة
تعمل على غرس ثقافة السلام والابتعاد عن الانقسام والاستضعاف واليأس بالعدالة والمساواة والأمل للجميع والتصدي لجميع أشكال التمييز والكراهية.
ولأهمية السلام في حياة الشعوب فقد اعتمدت المراكز البحثية والدراسات الميدانية فقرات وأسسا في تحديد مؤشر السلام في بلدان العالم أشرت العديد من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية وتواصلت إلى أن سنة 2024 أصبحت أقل سلامًا للمرة الـ 12 خلال السنوات الـ 16 الماضية، مع تدهور متوسط مستوى السلام في البلاد بنسبة 0.56 في المائة مقارنة بالعام السابق، مع تحسن في حالة الهدوء في 65 دولة وتدهورت في 97 دولة، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الحالات المأساوية التي شهدتها الأشهر الماضية في الأراضي الفلسطينية وحرب الإبادة الجماعية وحرق الأرض التي تقوم بها القوات الصهيونية لتبين لنا أن جميع معايير السلام التي تحدثنا عنها لا وجود لها على أرض الواقع عندما
أدت إلى استشهاد 42 ألف مواطن منذ السابع من تشرين الأول 2023، وإصابة أكثر من 100,000 شخص، وأدى الهجوم البري الصهيوني إلى كارثة إنسانية، بما في ذلك نقص الغذاء والماء وسوء الأحوال الصحية وانعدام الحياة، ولا يزال الوضع مأساويًا في بلد عربي مثل السودان فقد حدث تدهور كبير في السلام فيه باندلاع المواجهات العسكرية منذ نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وقد أدى النزاع المسلح إلى نزوح ملايين الأشخاص، مع إبادة جماعية قامت بها قوات الدعم السريع بقتل 15000 شخص في غرب دارفور في حزيران 2023، و تشير الإحصائيات الإجمالية للقتلى إلى 150 ألف شخص منذ بدء الحرب.
وأما في العراق فلا زالت هناك العديد من الظواهر التي تؤثر على السلم المجتمعي بانعدام فرص العمل وزيادة نسبة البطالة بين شريحة الشباب وتصاعد عملية التضخم المالي وعدم وجود آليات رادعة لمواجهة حالات الفساد المالي من سرقة للمال العام تهريب العملة وازدياد نشاط شبكات تجارة المخدرات وانتشارها في المجتمع وتأثير بعض الفصائل المسلحة على الواقع الأمني بما يسبب حالة من عدم الاستقرار والاطمئنان لدى أبناء الشعب العراقي.
وبحسب مجلة (لوبوان) الفرنسية التي نشرت مراتب الدول العالمية التي تتمتع بالسلام حيث جاءت ( أيسلندا) بالمرتبة الأولى ثم الدانمارك أيرلندا ونيوزيلندا والنمسا وسنغافورة والبرتغال وسلوفينيا
واليابان والمرتبة العاشرة كانت سويسرا.
وأما الأقطار العربية فقد جاءت كالآتي قطر في المركز 21 عالميا ثم الكويت في المركز 35 و عُمان بالترتيب 48 والإمارات في المركز 75 وتونس بالمركز 81 تليها المغرب بالمركز 84 والجزائر بالمركز 96 والبحرين المركز 108 وجيبوتي بالمركز 112 وموريتانيا بالمركز 114 والسعودية، بالمركز 119 ومصر بالمركز 121 وفلسطين بالمركز 134 ولبنان بالمركز 135وليبيا بالمركز 137 والعراق بالمركز 154 والسودان، بالمركز 155 والصومال بالمركز 156 وسوريا بالمركز 161 وأخيراً اليمن بالمركز 162.
يتطلب السلام لتحقيق صورته المثلى تضحيات وجهود متواصلة عبر العمل الجاد والمشترك وتحقيق العدالة الاجتماعية لتجاوز الآلام والجراح، ومد جسور التواصل والتفاهم بين الأمم والشعوب.