العراق في مفهوم العلاقات الدولية والأمن القومي

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

سياسة الدول وتوجهاتها الداخلية والخارجية تحددها رؤيتها السياسية وآفاق تعاونها ومدى نجاحها في إقامة علاقات حسن جوار مع الدول المحيطة بها وباقي دول العالم منطلقة من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وحماية مصالحها المشتركة وعقد الاتفاقيات في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والعسكرية دعما لمقومات أمنها الوطني والقومي والحفاظ على مستقبل أبناء شعبها والتمسك بمكانتها بين الأمم والشعوب ، وتكون هذه السياسة عبر العديد من المنطلقات الثابتة والمبادئ الراسخة والأهداف الواضحة التي تمثل الأسس الرصينة لمفهوم الاستقلال السياسي والرأي المستقل القائم على مرتكزات مهمة هدفها رسم ملامح التعامل الدولي والإقليمي حماية لمجريات العلاقات الثنائية والعامة وفتح آفاق مستقبلية لتعاون مثمر ومستمر يحقق الآمال في استقرار أمني وسياسي ونهج وطني متماسك ونهضة صناعية وتبادل تجاري موزون وصورا من عمليات البناء والأعمار والتقدم والازدهار.

العلاقات الدولية تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وسيادة الدول واحترام إرادتها في قراراتها وصياغة أفعالها وتوجهاتها بما يحقق الآمال التي تسعى إليها شعوبها في نظام سياسي مستقر ووضع داخلي آمن وعلاقات وطيدة متشعبة تحمي مصالحها الذاتية وتأخذ العلاقات الدولية السياسية مدياتها في جوانب أساسية تتمثل في قوة الدولة وإمكانياتها وتسخير طاقتها ودفعها باتجاه تطوير واقعها الميداني وتعزيز اقتصادها وتنويع مصادرها وتوسيع دائرة علاقتها مع بلدان العالم وعدم الاكتفاء بعدد من الدول بل عليها أن تسعى لعلاقات شاملة في جميع المجالات والتخصصات لكي لا تكون أسيرة لعلاقات ثنائية متشابكة وأهداف نوعية تسعى إليها الدول المتحالفة معها والتي ترى أنها لا تتمكن من مغادرة علاقتها معها ، ولهذا القرار السياسي أدوات مهمة يكون الاقتصاد الوطني ووسائل الإنتاج المحلية وتنويع مصادر التنمية الاجتماعية إحدى أهم مكونات الدولة وقوتها وتأثيرها على ما يحيطها من أزمات ومشاكل تتحكم فيها الإرادات الدولية والإقليمية، وكلما امتدت مساحة التأثير السياسي والاقتصادي للدولة كان لها حضورها الإيجابي والفعال والدور الريادي في كلمتها ورأيها في مفاصل الحياة السياسية العامة ذات الأبعاد الدولية حماية لمكانتها ووجودها واستمرار تأثيرها الفعال.

تتميز العلاقات الدولية أنها تسعى إلى تحقيق هدف سامي يتعلق بالأمن الوطني والقومي الذي يعتبر الركيزة الأساسية في تدعيم سيادة الدولة على أرضها وحماية شعبها ومكتسباتها الحضارية وحفظ حدودها الجغرافية وعدم التدخل في شؤونها من قبل الدول الأخرى والعمل على إيجاد قنوات واسعة لتمتين العلاقات والمصالح المشتركة مع باقي البلدان لأنه من الصعب أن تكتفي دولة ما برعاية وضعها الداخلي دون أن تكون لها علاقتها الخارجية التي ترسم ملامح المنافع وتحقيق المصالح مع بلدان العالم، ويبقى الأمن المشترك مطلب رئيسي لا يمكن الاستغناء عنه في حياة الدول والأفراد وهو أحد الضوابط والأسس الرصينة التي يحتاجها أي نظام سياسي يسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار على أرضه وحماية شعبه ويتحقق ذلك بالأساليب والطرق الكفيلة بتأمين وتوطيد حالة الأمن المشترك بين دول العالم بعدم الاعتداء على أي دولة أخرى وفق معاهدات ومواثيق يتفق عليها وتعمل عليها من قبل الدول التي ترتبط بعلاقات وطيدة بينها عبر تفاهمات وأهداف مشتركة تضمن توفير السلام العالمي والأمن الدولي والإقليمي القائم على تأسيس نظام عالمي يحمي هذه الأهداف ويراعي السياسات الخارجية للدول وحماية أمنها.

عندما نبحث أخي القارئ الكريم في حيثيات هذه الأسس يتبادر إلى أذهاننا ما حل بالعراق بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان عام 2003 وما آلت إليه نتائجه والتي أثرت على طبيعة وهيكلية الدولة العراقية ونظامها السياسي ودورها الريادي في التأثير الدولي والإقليمي والريادة الذي كانت تمثله على الأصعدة العربية والإسلامية والغربية كافة، يسعى الاحتلال إلى الإخلال بهذه المنظومة بل إضعافها والهيمنة عليها وعلى مقدرات أبناء الشعب العراقي والتلاعب بمسيرة واستغلال ثرواته وتنفيذ أهداف الإدارة الأمريكية في ربوع الأرض العراقية بسلب إرادة البلاد والتأثير على مستقبلها والتنكر لحضارتها ودورها الإنساني باستخدام أدوات الشر العدوانية وأبعدت العراق عن دوره الحقيقي في البناء والأعمار وأهملت جوانب الحياة كافة وعطلت القوانين والأنظمة بحيث أصبح العراق مشاع لبلدان أخرى استغلت الظروف التي أحاطت به فتمادت في التدخل بشؤون البلاد لتحقيق أهدافها وأغراضها العدوانية وتحقيق مشاريعها السياسية والأمنية والهيمنة والتمدد والنفوذ الداخلي وعبر التخادم السياسي مع الإدارة الأمريكية وأدواتها وتشكيلاتها داخل العراق ، وكان واضحا التدخل الإيراني السافر مدعوم بالمليشيات والفصائل المسلحة التي تم تشكيلها أمام مرأى ومسمع من المحتل الأمريكي، وابتدأت اللعبة السياسية بتشكيل العملية السياسية وتكوين الأحزاب والكتل السياسية الداعمة لها والتي سعت إلى تحقيق مصالحها ومنافعها الفئوية والمادية بعيدا عن أهداف وتطلعات الشعب العراقي، وهنا افتقدت السيادة العراقية مضامينها وأصبحت أحزاب السلطة هي من تتلاعب بأدوات الحكم وتشكيل الحكومات والوزارات وفق املاءات دولية وإقليمية تدعم هذه الأحزاب والكتل السياسية والتدخل بشؤون العراق وترسم ملامح الحياة السياسية له وفق أهدافها ومصالحها وهددت بذلك الأمن القومي للبلاد واسست لتوجيهات ومضامين بعيدة عن المجتمع العراقي وطبيعة تماسكه الاجتماعي فكانت التوافقات السياسية والمحاصصة الطائفية عاملين اساسيين في تنفيذ المشاريع الداخلية وفق المصالح النفعية بعيدا عن أي عمليات إصلاحية جذرية واوجدت هذه الأفعال مفهوم الدولة العميقة التي تتحكم بإرادة الشعب وتسيطر على مقاليد الحكم وتنفذ سياسة الدول الراعية لها عبر المليشيات المسلحة المرتبطة بها.

أصبح حجم التدخل الإيراني في التفاصيل الداخلية العراقية واضحا عبر الأعمال التي تقوم بها أجهزة النظام الأمنية والعسكرية والاقتصادية وطبيعة التحالفات التي تجريها بتشكيل الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي بل اتسعت لتشمل فرض إرادتها على تشكيل الوزارات وأصبحت الساحة العراقية وكما تتداول أحاديث بعض المسؤولين الإيرانيين امتدادا طبيعيا للأمن القومي الإيراني وأنها تشكل هدف رئيسي في تنفيذ المشروع الإيراني نحو عواصم وبلدان الوطن العربي وأنها المرتع الخصب والقاعدة الرصينة التي تنطلق منها لتنفيذ أهداف وتطلعات النظام الإيراني في الهيمنة والنفوذ وتحقيق مصالحه وأهدافه في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.

ابتعد مفهوم الأمن القومي كثيرا في العراق بعد الاحتلال الأمريكي وأصبحت عملية التدخل في شؤونه الداخلية واضحة وامتدت لتكون معيار واضح لفقدان البلاد لسيادتها وحريتها ودورها الريادي وموقعها وأصبحت مشاع لتدخلات إقليمية ودولية أخرى تسعى لتثبيت أدواتها وتنفيذ مصالحها دون أي اعتبار ذاتي لسيادة العراق وحدوده الجغرافية ولأمن وسلامة شعبه.

Similar Posts