شعار الصالحين …. والتظاهر به!
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
ليس مستغربا بين الناس أن يُشتهر رجل بصفة بدنية أو إبداعية أو حتى درجة علمية بينما هو لا يملك-حقيقة – شيئا منها، أو قدرا يوازي شهرته فيها. هذا صار من مألوفات الحياة في زماننا، فذاك فني بارع في حرفته، وتتناقل الناس أخبار قدرته، ولكن حين يوضع في محك لإثبات ذلك لا يبدر منه خير، وهذا رجل ماهر في صنعته وتزدحم الناس على باب نزلته، حتى إذا اختبرته لم تجده كما سمعت. وهذا يصدق في مهن كثيرة وصنائع وتخصصات، وندر من طابقت شهرته قدرته، وهذا مرده إلى التناقل أو الحظ أو إلى حد ما -الوهم والخداع- الذي لا يدوم طويلا ،والغريب أن بعض هؤلاء يستمر رزقه من باب الكذب والادعاء دون أن ينغصه عارض أو اعتراض، ويعود هذا إلى بلاهة العوام ممن غالى وبالغ دون أن يختبر أو سكت عندما جرب. فما عاد أمرا غريبا شهرة بعض المدعين في الصنائع والحرف، أما الأغرب والأهم في كل ذلك فهو شهرة بعض الرجال بصلاحهم وورعهم دون أن يكون لهم نصيب منه إلا ظاهر لحية أو جلباب، أو كلمات وأدعية حفظ ألفاظها ونسي معانيها، فيرددها بصوت منخفض يشير إلى انكسار صاحبه لله، وركيعات وصلوات يؤديها مع جمع الناس. ولكن حين تخبره في شراكة أو جيرة أو تقصده في معروف لا ترى منه ذلك.عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لا يَغُرَّنَّكَ صَلاةُ رَجُلٍ وَلا صِيَامُهُ، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ صَلَّى، وَلَكِنْ لا دِينَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ “أو قال كما روى يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ، أَخُو مُقَاتِلِ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَا تَغُرَّنَّكُمْ طَنْطَنَةُ الرَّجُلِ بِاللَّيلِ – يَعْنِي صَلَاتَهُ – فَإِنَّ الرَّجُلَ كُلَّ الرَّجُلِ مَنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ، وَمَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.الرجل الذي يتظاهر بالصلاح كثر نموذجه اليوم، منهم كثيرون مدنيون، يخدعون الناس بشعارات شتى، سياسية أو علمية أو أدبية أو غوثية اجتماعية متلبسين بثياب المنظمات والمساعدات والفصولات وما إلى ذلك من شؤون استجدت في حياة اليوم. فما عاد الرجل يتورع أن يأكل بكذبه أو احتياله على الناس أو مخادعته إياهم، وهو لا يظن أنه أتى أمرا نكرا، ومرد شيوع ذلك إلى تقبل الناس وعدم نفرتهم منه أو نبذهم له، بل كثير من هؤلاء يجدون بين الناس أنصارا ولأفعالهم شرحا وتبريرا. ويجعلون رزقهم أنهم يكذبون.وأكثرهم قبولا لدى الناس بطبيعة الأشياء هم المتسترون بشعار الدين ودثار المتقين، وهؤلاء لا يمكن نصح الناس فيهم أو عذلهم عنهم، لأن الناس يفتنون بهم ولا تجد لهم ناصحًا مسموع الكلام، فقد قدسوهم ونسكوهم وأخرجوهم من دائرة الناس إلى دائرة أخرى تقرب من مقام الملائكة حيث لا زلل ولا ضلال ولا احتمال تقلب القلوب التي هي بين يدي الله يغيرها متى يشاء، ولا يقبل منك الناس تساؤلا أو تتشكيكا، ولا تراجع أفعالهم حتى ولو بان منهم ما يريب عقلا وعيانا. ذلك أنهم اتخذوا قول الصالحين شعارا، وثوب المتقين دثارا، وهم ليسوا منهم. ولذا كان أخطر وأقبح ما يتستر به الإنسان في ادعائه الاستقامة هو الدين، فهو درع متين من نقد الناقدين ولوم اللائمين، يقول الإمام الشافعي عن نفسه: أُحِبُّ الصالِحينَ وَلَستُ مِنهُم ،،،، لَعَلّي أَن أَنالَ بِهِم شَفاعَهوَأَكرَهُ مَن تِجارَتُهُ المَعاصي ،،،، وَلَو كُنّا سَواءً في البِضاعَهفلم يدع الصلاح رحمه الله وهو من هو ومن دلت عليه أفعاله،ويقال إن الامام أحمد بن حنبل، وهو تلميذه قد رد عليه قائلا:تحب الصالحين وأنتَ منهم ،،، رفيق القوم يلحق بالجماعةوتكرهُ من بضاعته المعاصي ،،،، حماكَ اللهُ من تلك البضاعةولأن الناس توقر الصالحين وتتقبل منهم كل أمر حتى لو أضر بدنياهم ودينهم دون مراجعة أو تمحيص فضلا عن الرفض، فقد كان أكبر ما يدعيه الرجل ظاهرا، وأخطر ما يبديه شاهرا غير صادق، هو ادعاء الصلاح في الدين، وهم اليوم بيننا كثير، التف حولهم الناس وأطاعوهم وجعلوا فتاواهم وأقوالهم منهاجا حطم بعضها البلاد وأضر بمصالح العباد، دون رادع أو وازع، ولذا جاء في الأثر: “احذر أن يظهر عليك شعار الصالحين ولست منهم”