أمريكا وسياسة التحطيم والتدمير
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
استوقفتني تهنئة البيت الأبيض للمسلمين في أرجاء المعمورة بمناسبة شهر رمضان المبارك وعبر رسالة موجهة من الرئيس جو بايدن للعالم الإسلامي يتحدث فيها عن مضامين وغايات الشهر الفضيل ومما جاء فيها استشهاده بالقرآن الكريم في الآية السابعة من سورة القدر بقوله تعالى ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ )، وكأنه يؤكد على أن إدارته تعمل بكل معاني الوفاء والتسامح والعطاء وحماية الشعوب والدفاع عن حقوق الإنسان واحترام إرادة البلاد الحرة ودعم حرية الفكر وتطبيق القوانين والأنظمة الدولية والدستورية وعدم التدخل بالشؤون الداخلية لبلدان العالم وتطبيق العدالة الاجتماعية والابتعاد عن الحروب الفتاكة والتدمير الشامل للبنى التحتية والمشاريع الإستراتيجية للأقطار التي لا تحتكم للإرادة الأمريكية وترفض الانصياع لتوجهات البيت الأبيض ولا تقبل التبعية السياسية والخنوع والاستسلام لتوجهات وغايات الولايات المتحدة الأمريكية، وكأنه عندما يلفظ هذه الآية الكريمة بإمكانه خداع الشعب العربي والشعوب الإسلامية التي عانت من ويلات الغزو والاحتلال الأمريكي للعديد من بلدانها ابتداءا من أفغانستان ومروا بالعراق ووصولا إلى بعض عواصم أقطار الأمة العربية بالتعاون مع التحالف الدولي والحلف الأطلسي تحقيقا لمأربهم واهدافهم العدوانية في استعباد الشعوب الكريمة ومحاولة النيل من عزتها وكرامتها وتسويق المشروع السياسي الذي يخدم توجهات الإدارة الأمريكية ومؤسساتها الاستخبارية والعسكرية في الهيمنة على المنطقة العربية واستثمار ثرواتها والسيطرة على ممراتها وموانئها وطرق مواصلاتها الدولية وحماية أمن الكيان الصهيوني وتأمين بقائه والحفاظ على امنه الداخلي والخارجي ضمن سلسلة من البرامج والمخططات السياسية والأمنية الميدانية.
ونحن نعيش أيام الذكرى التاسعة عشرة المؤلمة لغزو واحتلال العراق في التاسع من نيسان عام 2003 عبر القوات الغازية الأمريكية والبريطانية علينا أن نجعل من ذاكرتنا متقدة حية لا تبتعد كثيرا عما آلت إليه نتائج الاحتلال الأمريكي وما سببته القوات الغازية من تدمير شامل وهدم لمعالم الحضارة الإنسانية وضياع لتراث وتاريخ أبناء الشعب العراقي المجاهد وإمعان في تحطيم جميع المرتكزات والمنجزات العمرانية والثقافية والعلمية التي بنيت بسواعد العراقيين النشامى وأصبحت علامة من علامات النهضة الشمولية للفكر والعطاء والبناء العربي العراقي مما أثار حفيظة الأعداء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي أحست خطورة المشروع النهضوي العراقي في كافة مجالات الصناعة والزراعة والتقدم العلمي والتكنولوجي وأصبحت هذه المنجزات تقظ مضاجع البيت الأبيض وأدواته ومؤسساته فكان القرار الجائر بغزو العراق الحر واحتلاله بعدوان غاشم شامل.
سعت الإدارة الأمريكية إلى تنفيذ منطلقاتها وأهدافها المشتركة التي تحددها جميع المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخبارية التابعة لها ضمن رؤية مشتركة وأهداف معلنة تتفق جميعها على حماية المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وكان احتلال العراق هو الحافز الرئيسي لهذه الإدارة في التحديد الواسع لتطبيق الإستراتيجية الجديدة في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط واعتبرت العراق منطلقا حيويا وذا أبعاد سياسية واقتصادية نحو بناء قواعد وركائز في داخل الأراضي العراقية.
وجاءت الوقائع والأحداث الميدانية لتثبت فشل السياسة الأمريكية في العراق بعد أن أفقدت العراق الاستقلال السياسي والأمني والاقتصادي في رسم ملامح العملية التي أتت بحكومات متعاقبة لا فعالية لها ولا دور ريادي في قيادة البلد وليس لها الإمكانية في رسم المستقبل الزاهر لشعب العراق لافتقادها للأدوات الرئيسية والمحاور الإستراتيجية والأفكار الميدانية لحقيقة المستقبل السياسي في العراق بسبب فقدانها لمفهوم الاستقلال السياسي الذي يعتبر الركيزة الأساسية في مفهوم الدولة الحقيقية ودولة المواطنة والمؤسسات التي ترسم ملامح الحياة الميدانية لأي نظام سياسي يحكم البلاد وأصبحت حكومات بغداد عاجزة في أداء دورها وطرح أرائها في كثير من الأمور الإستراتيجية التي تهم حياة ومستقبل شعب العراق ومنها التحرر والانعتاق من الاحتلال الأمريكي والنفوذ والهيمنة الإيرانية لطبيعة هذه الحكومة وارتباطاتها بالمحورين الدولي والإقليمي وجعلها أرض العراق مرتعا للتجاذبات السياسية بين جميع الدول وأصبحت تشكل حلقة رئيسية متشابكة في المصالح المشتركة لعديد من الدول الإقليمية والدولية.
وكانت الجرائم الإنسانية التي ارتكبت بحق أبناء الشعب العراقي من قبل قوات الاحتلال الأمريكي عبر الاغتيالات السياسية والاعتقالات اليومية والمتابعات الأمنية أكبر دليل واقعي لظلم وتعسف هذه الإدارة ونواياها العدوانية ضد العراقيين المقاومين والرافضين للوجود والاحتلال الأمريكي، ومنها القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الثلاثاء 22 كانون الأول 2020 والمتعلق بالعفو عن مجرمين وأشخاص متورطين بسفك الدم الزكي العراقي في فضيحة شركة الأمن الخاصة ( بلاك ووتر ) والذين أدينوا بقتل (14) مواطنا عراقيا مدنيا وجرح (17) أخرين من الأبرياء في حادثة ساحة النسور بمدينة بغداد بتاريخ 16 أيلول 2007 والتي تسببت بفضيحة دولية واستياء شعبي وإنساني جماهيري كبير نتيجة الظروف المحيطة بالحادث والذي جاء بعد سلسلة من عمليات القتل والترويع والاغتيال الذي قامت به قوات الاحتلال الأمريكي- البريطاني لأبناء شعبنا العراقي المجاهد والتي تلت غزو العراق .
جاء قرار العفو بحق هؤلاء المجرمين بعد أن صدر الحكم القضائي ضدهم وحكم عليهم عام 2015 بالسجن مدة تتراوح ما بين 30 سنة والمؤبد ،كانت جريمة ساحة النسور صورة واقعية للدور التخريبي والعدواني الذي تمثله قوات الاحتلال الأمريكي وصورة واقعية للهمجية والعنصرية البشرية التي تتصف بها الادارة الامريكية ومؤسساتها العسكرية والأمنية في احتلالها للبلدان المستقلة وإيذائها للشعوب الحرة والاساءة لسمعتها وانتهاك لكرامتها والمس بعزتها وشخصيتها المعنوية الانسانية ، ومثلت جريمة كبيرة واعتداء صارخ لحقوق الانسان وتعرض شنيع لأبناء بلدنا الحبيب الذين رفضوا الاحتلال وقاوموا أدواته وماكنته العسكرية والأمنية وهي واحدة من العديد من الجرائم الدموية التي طالت أبناء الشعب العراقي منذ التاسع من نيسان 2003 بداية الاحتلال الامريكي وما تلاها من عمليات تعرضية استهدفت أمن وسلامة المجتمع العراقي وساهمت بها شركات أمنية أجنبية وبشخوصها وأدواتها القمعية ومنها (شركة بلاك ووتر) .
هذه الجريمة المروعة استهانة بالدم العراقي واستخفاف بمشاعره الوطنية والانسانية التي يتحلى بها المواطن العراقي الرافض للذل والخنوع والاستسلام وللواقع المأساوي الذي حل بوطنه وجعله يقاوم ويصارع أدوات الاحتلال الامريكي-البريطاني ووقف بالضد من جميع الأساليب المتبعة في جعل الاحتلال واقع قائم وحالة مفروضة عليه بعد أن تعددت وسائل الاضطهاد والتعسف وصور القتل والترويع والاعتقال والسجن والتعذيب في أقبية وسجون قوات الاحتلال وعبر وسائط وأساليب بعيدة عن كل ما تتحدث به الادارة الامريكية من حرية الرأي واحترام حقوق الانسان وتطبيق العدالة الاجتماعية .
وأسس الاحتلال منظومة سياسية واقتصادية فاسدة أفقدت العراق مكانته الدولية والعربية والإقليمية وأضاعت ثرواته وأموال شعبه
وأصبح العراق مرتعا للفساد السياسي والاقتصادي ولنهب الثروات والمال العام، هذا هو العراق الذي بشرت به الإدارة الأمريكية وهذه هي سياستها تجاه شعب العراق الذي أرادته ليكون دليلا صارخا لسياستها الرعناء.
أصبح العراق بلدا ضعيفا منهكا تتقاذفة المشاكل الإقتصادية والإجتماعية وتنعدم فيه سبل العيش الكريم والحياة السعيدة الهانئة وشعبه يعاني ويكابد ويصارع ضنك العيش وإنعدام الخدمات والعناية الصحية والرعاية الإجتماعية والتربوية والتعليمية وزيادة البطالة وإنتشار الرشوة والمحسوبية والفساد والإفتقار لإبسط مستلزمات الحياة .
كان يوم التاسع من نيسان 2003 إيذانا بإحتلال العراق وأراضيه والسيطرة على ثرواته
وتدمير وإنتهاك صارخ وجسيم لبلد كبير كان له عمقه وتواجده وتأثيره الدولي والإقليمي والعربي وضياع لحقوق وإنجازات وطموحات شعب كريم وعزيز وذو حضارة عميقة الجذور عبر العصور والقرون ،فكانت جريمة الإحتلال التي إرتكبها جورج بوش الأبن بحق شعب العراق وإحتلال أراضيه وإنتهاك حرماته والسيطرة على ثرواته والعبث بأمنه الداخلي وتعميق الإنشقاق والتمزيق بين نسيجه الإجتماعي المتماسك.