الاختفاء القسري …سلوك عدواني وأدوات ممنهجة

إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعمل المنظمات الإنسانية على التعاون مع الدول والمؤسسات الحكومية في حماية الأفراد والدفاع عنهم والحفاظ على حياتهم وتسخير الإمكانيات لإدامة دورهم الريادي في بناء وتقدم المجتمع باعتبارهم الأداة الحقيقية في عملية الازدهار والأعمار التي تمثل الحياة وترفع من شان الدول في مضمار العمل على بث روح التعاون والتازر بين أفراد الشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع المستوى المعاشي للافراد بما يحقق لهم حياة سعيدة واطمئنان متواصل على مستقبل عوائلهم وأبنائهم ، ولا يتم هذا إلا بتأمين الوضع الأمني المجتمعي وتعزيز حالة الأمن والاستقرار والتماسك الإجتماعي وصولا إلى بيئة صالحة تمثل الإرادة الصادقة في التواصل الانساني ومنع جميع حالات القلق والاضطراب النفسي التي تسعى إليها بعض الفصائل والمليشيات والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون بفرض إرادتها ومواجهة المجتمع وتحقيق أغراضها العدوانية باستخدام أدواتها الخبيثة باغتيال رموز المجتمع وبث حالة الرعب والخوف بين أفراده وتتم هذه العمليات عبر وسائل ممنهجة وطرق ملتوية وبرامج إجرامية تنفذ لتحقيق مصالح فئوية بدعم دولي وإقليمية غايتهم التأثير على الأمن الوطني والقومي للبلاد الحرة والشعوب الكريمة وافراغها من رموزها الحية وشخوصها العلمية والفكرية والإنسانية لإبقاء الدول المستهدفة ومجتمعاتها في حالة من التخلف والتردي وبث روح العداء في اوساطها وزرع الفتن والحروب الأهلية لتمزيق نسيجها الإجتماعي والتأثير على بنيتها التحتية وأفراغها من محتواها الإنساني وتوسيع دائرة الكراهية والحقد بين أفرادها وصفوفها بما يؤثر على طبيعة الحياة فيها .

لقد عانت العديد من الدول والمجتمعات الإنسانية من ظاهرة( التغيب القسري ) التي تتم عبر منظمات ومليشيات مدعومة وذات طابع تخريبي وبادوات خبيثة وأساليب عدوانية تستخدم الة القتل الممنهج والاغتيال المدبر واختيار العناوين البارزة الفاعلة في عملية التغيير والإصلاح والدعوة الإنسانية لحرية الفكر وتحقيق العدالة الاجتماعية والرافضة لكل أدوات الخنوع والذل والتبعية السياسية والمؤمنة بحتمية التغيير والإصلاح في مجتمعاتها وصولا للانعتاق من الظلم والتعسف الإجتماعي والاضطهاد الفكري الإنساني وتحقيق الرفاهية والسعادة لأبناء الشعب ورفع المستوى الحياتي لافراده وتعزيز مفاهيم العمل والإنتاج والتعاون والتأزر لبناء صرح الدولة الحقيقي وإعلاء شأن المواطن فيه وتعزيز الروح الإبداعية لأبنائه ومنح المفهوم الريادي في فهم واستيعاب حاجيات المواطنين.

وللأهمية الإنسانية والروحية لهذه الفئة الاجتماعية فقد سعت جميع المؤسسات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والبلدان المتقدمة الحضارية في اعتبار الثلاثين من شهر اب من كل عام يوما عالميا للاختفاء القسري تعبر فيه عن حقيقة المعاناة الإنسانية التي تعانيها عوائل هؤلاء الأفراد المغيبين والذين تنتظر معرفة مصيرهم وظروف اختفائهم وكيفية الوصول إليهم ومحاسبة الفاعلين والعاطلين لهم واستخدام جميع الأساليب الممكنة من هيئات إعلامية وادوات صحفية ووسائل الاتصال والتواصل المجتمعي وعبر العديد من المنظمات الإنسانية الفاعلة للتعريف بهذه المعاناة والضغط على الحكومات المعنية التي تمارس إدارتها مثل هذا السلوك المشين ضد مفهوم الإنسانية وحماية الفرد والدفاع عن وجوده والحفاظ على أدميته واحترام إرادته وتوجهاته الفكرية والعقائدية.

وبسبب الأحداث الدامية والأوضاع الإنسانية المأساوية التي مر بها العراق بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان عام 2003 والأساليب الوحشية التي اتبعها افراد الجيش الأمريكي وأدواته في مواجهة المقاومين الأحرار من أبناء الشعب والرافضين لوجوده على أرض العراق الطاهرة والدعم والتخادم السياسي والأمني الذي تبناه الاحتلال مع النظام الإيراني وتوجهاته ضد المجتمع العراقي بتأسيس مليشيات وفصائل مسلحة فقد اتسعت دائرة التغيب وأصبحت تمثل الآلاف من أبناء الشعب العراقي بسبب حملات المداهمة والاعتقالات وعمليات الاغتيال السياسي ضمن توجهات وبرامج وأساليب ممنهجة ومدروسة في مواجهة المجتمع العراقي والفاعلين فيه والرافضين للأوضاع الميدانية القائمة وحالة التدخل الدولي والإقليمي.

وامام هذه الصورة المأساوية والأزمة الاجتماعية التي تستعيد أهميتها دائما كونها تهم المجتمع الدولي والمنظمات الانسانية وبسبب عدم قيام الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي بواجباتها لإيجاد حلول جذرية تواجه فيها هذه الأزمة الاجتماعية وتعمل على انفاذ قراراتها والتي تدعيها عبر وسائل الاعلام والصحف والقنوات الفضائية ولكنها ميدانيا لا زالت بطيئة الحركة بل مشلولة الارادة في مواجهة عناصر المليشيات المسلحة وقياداتها التي تعمل على توسيع دائرة التغيب القسري للمواطنين العراقيين الاحرار واشاعة حالة الخوف والذعر بين الأوساط الاجتماعية والقوى المدنية لأبناء البلد وصولا الى تحقيق الأهداف والتوجهات الميدانية للمشروع السياسي الذي تتبناه المليشيات بتوسيع دائرة وجودها ونفوذها وسيطرتها على مقدرات وامكانيات المناطق المسيطر عليها من قبلهم .

ولكي نمنح المقال اخي القارئ الكريم أهميته الإنسانية الواقعية علينا أن نعلم ونعرف أن التغيب يعني (توقيف شخص ما على يد مسؤولين في الدولة أو وكلائها أو على يد أشخاص أو مجموعات تعمل بإذن من السلطات أو دعمها أو قبولها غير المعلن وعدم الاعتراف بالتوقيف أو الأفصاح عن مكان الشخص أو حالته ) .

أمام هذا التعريف القانوني والتوجه الانساني هل تمكنت حكومة بغداد من الايفاء بوعودها تجاه حالات الاختفاء القسري أم أن المؤسسات والأجهزة الرسمية التابعة لها لا زالت تستخدم سياسة التغاضي عن هذه الافعال وعدم المبالاة في البحث عن الجناة الحقيقين وأخذ جميع التدابير والخطوات الكفيلة بكشف طبيعة هذه الأعمال العدوانية التي تتنافى والقيم والأعراف الدينية والقوانين المرعية ومتابعة الجناة والكشف عنهم ؟.

تبقى قضية الاختفاء القسري من أهم القضايا التي تهم المجتمع كونها تتعلق بحياة المواطنين ووجودهم وعندما يسعى الاخرون الى جعلها قضية سياسية وتوجهها بما خدم مصالحهم ومنافعهم الحزبية فنكون أمام فقدان لمفاهيم العدالة الاجتماعية وغياب لحقوق الانسان واستمرار لإراقة الدم العراق الطاهر واسكات صوت الشعب الثائر ، وهنا تقف الحكومة عاجزة عن التزاماتها بجميع البنود الواردة في الاتفاقية الدولية الخاصة بالمغيبين والتي وقعت عليها عام 2010 ولم تسعى الى اصدار العديد من التشريعات والقوانين الداعمة لعمل وفعالية الاتفاقية وتشكيل اللجان التحقيقية والبحث عن الجناة الميدانين والمسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الانسانية ولم يتم ملاحقة الفاعلين أو محاسبتهم وايقاع العقوبات القانونية بحقهم

Similar Posts