التلوث البيئي في العراق…سموم تهدد الحياة

بقلم : إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمة للدراسات والتطوير

تبقى الأهداف الاستراتيجية والآليات الميدانية والرؤى الفكرية نتاجا واضحا ودقيقا لمديات تفاعل المجتمع مع أبنائه وحرص القائمين على إدارة الدولة لإيجاد وسائل وأدوات تساهم في إنجاح المشروع الوطني والاستقلال السياسي واعتبار الإنسان الركيزة والهدف الأسمى في تحقيق جميع الأماني والأهداف والآمال لأنه عنوان ثابت وصوت هادر وقيم وأخلاق تسعى فيها الأجيال لتحقيق مديات التقدم والرقي والازدهار، فكلما وضحت صورة الانتماء الإنساني لدى المجتمعات الراقية والدول المتقدمة كلما كان أفق احترام الفكر وإرادة التطور وسعي الفرد لبناء مجتمعه هي الصورة الأمثل والحدث الأكبر والهدف الأسمى الذي تسعى إليه جميع مفاصل الدولة بتسخير جميع إمكانياتها الاقتصادية لخدمة المشروع والهدف الإنساني الكبير في تعزيز مكانة الفرد واعتماد الأسس الرصينة في بناء تكوينه ودعم توجهاته وإسناد أدواته لمصلحة الوطن العليا وأهدافه السامية. الإنسان ثروة كبيرة وعنصر التغيير الشامل في الحياة وأداة التغيير الحقيقي عن أهداف المجتمع وصورة ناصعة لعملية البناء والأعمار، ولهذا نرى أن جميع الدول تكون في أولويات اهتمامها توفير المستلزمات وإتاحة الفرص الكبيرة لبناء روح الإنسان والأخذ به نحو آفاق المستقبل وهنا تكمن حقيقة بناء وإعداد المجتمع بشكل سليم عبر برامج تنموية وتوجهات إصلاحية تساهم في تعزيز البنية الحقيقية لبناء مجتمع منشود نحو حياة حرة كريمة تسودها مبادئ العدالة الاجتماعية وحرية الرأي واحترام إرادة الشعب وتسخير إمكانيات الدولة للحفاظ على حياة ومستقبل المواطنين ورسم ملامح الحياة الميدانية بصورة إيجابية في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والثقافية، فعندما نحقق أرضية شاملة بمساحات ممتدة تعطي الحياة بكل معانيها وجمالها وحضورها وتساهم في تكوين أجواء صحية فيها إدامة لحيوية الإنسان واستمرار عطائه في البناء والتغيير نكون أمام فسحة تحققها الدولة بتنشيط وزاراتها الخدمية ومؤسساتها الميدانية الحفاظ على سلامة المجتمع من جميع السلبيات والأزمات وأوجه الفساد والكوارث الطبيعية وإيجاد المستلزمات والأدوات والبرامج والدراسات الميدانية لمعالجتها وإيجاد الحلول لها لكي تضمن سلامة الإنسان والحفاظ على حياته واستمرار عطائه. ولكن عندما تكون الأدوات والأساليب القائمة على بناء الدولة بعيدا عن كل الآمال والأهداف التي تحدثنا عنها فإن النتائج الميدانية تشكل واقعا مأساويا ينعكس على طبيعة الحياة المجتمعية للشعب وهذا ما نلاحظه في الأوضاع القائمة في العراق وانعدام السبل والأدوات الناجحة نحو بناء صرح إنساني كبير يعتمد الإدارة القوية والعقل الناضج سلاحا في حماية الرؤية الإنسانية التي تستديم بها الحياة في جميع نواحيها، ولو قرأنا بدقة ما أصدره موقع (وورلد بوبيوليشن ريفو الأخصائي ) في بداية شهر تشرين الأول ٢٠٢١ من بيانات ومعلومات ميدانية تتعلق بتقييم (٩٢) دولة لتحديد الأكثر تلوثا في العالم لرأينا أن هناك عشرة دول تبدأ بدولة بنغلاديش وباكستان ومنغوليا وأفغانستان والهند واندونيسيا والبحرين والنيبال وأوزبكستان لتنتهي بالمرتبة العاشرة ليكون العراق من حيث تلوث الهواء وانعدام الأسس الرصينة في الحفاظ على بيئة نظيفة ليصبح العراق ضمن البلدان الأكثر تلوثا ولأسباب عديدة أهمها عدم وجود برامج إصلاحية لكيفية معالجة اتساع الأراضي الصحراوية وفقدان التنمية الزراعية في استغلال الأراضي ومنع زيادة الأتربة والغبار التي تنبعث منها أثناء الرياح العالية وملاحظة التغيير البيئي الناتج عن الإهمال الكبير الذي سبب واقعا مؤسفا للبيئة في البلاد وعدم قدرة الوزارات المعنية بالمساهمة في معالجة هذه الظواهر وتحديدا وزارتي البيئة والصحة وانعدام التنسيق بينهما في تنفيذ آليات تحد من كثرة العواصف الترابية التي تهب على المدن العراقية وتؤدي إلى تلوث حقيقي وكبير في الهواء الذي يستنشقه المواطن ويؤدي إلى إصابته بالعديد من الأمراض التنفسية والسرطانية والتهاب الرئة بسبب عدم وضوح في كيفية إيجاد المنافذ الرئيسية المساهمة في معالجة انتشار مصادر حرق الوقود وعوادم السيارات ومولدات الطاقة الكهربائية وفقدان المبادرات الإنسانية للتقليل من مستويات الملوثات البيئية واستمرار التدهور في الوضع الأمني والعسكري الذي يؤدي إلى احتدام المواجهات العسكرية واستخدام أنواع الذخائر والأسلحة أثناء الحروب أو المواجهات الميدانية على الأرض.يمكن أن نجمل نسب الإصابات التي تحدث بسبب هذه ظاهرة التلوث لنرى أنها تشكل نسبة ١٦% من الوفيات في الأمراض الغير معدية ويكون التلوث السام الذي يعد مسؤولا عن ٢٢% من جميع أمراض القلب والأوعية الدموية ويتسبب في وفاة ٢٥% من المواطنين بالسكتة الدماغية و٤٠%منهم لإصابته بسرطان الرئة وهناك ٥٣% يصابون بالانسداد الرئوي المزمن.جاء تقرير (مركز دراسات الحرب ) في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية ليصير إلى أن الغبار في العراق يحتوي على (٣٧) نوع من المعادن ذات التأثير الخطير على الصحة العامة إضافة إلى(١٤٧) نوع مختلف من البكتيريا والفطريات التي تساعد على نشر الأمراض وتعمل على زيادة الاختناق والصراع المزمن نتيجة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، فعندما نقرأ ونتابع أخي القارئ الكريم هذه الإحصائيات والتقارير الرسمية والنسب المئوية من مؤسسات ومراكز بحثية علمية وصحية تؤكد لدينا الانهيار الكبير في المنظومة الصحية في العراق وعدم وجود آليات وتوجهات حقيقية للاهتمام بصحة المواطن العراقي الذي افتقد لكثير من المستلزمات الطبية والعلاجات المستمرة والمراكز الصحية وبناء المستشفيات التي بقيت على حالها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ولم يبنى أي صرح صحي أو منشأة علاجية تتمكن من تقديم سبل المعالجة الصحية لأبناء الشعب العراقي مما أدى إلى تفشي الأمراض والأورام السرطانية والتشوهات الخلقية وشلل الأطراف واضطراب الأعصاب وجميعها ناتجة عن التلوث الموجود في الهواء والماء والتراب لتزيد من المعاناة التي يعيشها المواطن العراقي، كما جعل وزارة الصحة العراقية تعلن أنها وبسبب العوارض الترابية وتلوث البيئة فإنها استقبلت (٤٣٦٠) حالة في شهر حزيران ٢٠٢١ مصابين بأمراض التنفس والصداع ألمزمن والتهاب القصبات الرئوية والصدر وأصبحت مشكلة التلوث البيئي ليست جديدة ولكن الجديد فيها أنها أصبحت أكثر زيادة وباتت أزمة تؤرق المجتمع العراقي وتدق نواقيس الخطر في حياة المواطنين.ويمكن العودة إلى أوليات و نتائج العمليات العسكرية التي قام بها المحتل الأمريكي باستخدامه اليورانيوم المخضب في جنوب العراق في مراحل الغزو الأمريكي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٠٣ والتلوث الناتج عن الفسفور الأبيض الذي استخدم من قبل القوات الأمريكية في معارك الفلوجة عام ٢٠٠٤، وستبقى آثار هذه الأسلحة المحرمة دوليا قائمة لأجيال وعقود من الزمن والتي أدت إلى تشوهات خلقية وأمراض سرطانية، وساهمت المليشيات المسلحة والعصابات المنفلتة في حرق العشرات من الهكتارات الزراعية لمحصولي الحنطة والشعير في عدة محافظات في السنوات الماضية وتفوق الأسماك في محافظات بابل والديوانية وديالى الخسائر قدرت بمليارات الدولارات.بعد نفوق ٩٠% من الثروة السمكية ، هذه الأفعال الإجرامية ساهمت في زيادة نسبة التلوث في المياه والتربة العراقية مع عدم وجود متابعة واهتمام من قبل الوزارات المرتبطة بحكومة بغداد في معاقبة المنشآت الصناعية التي تعمل على سكب فضلات إنتاجها في الأنهار دون أي رقابة بيئية صارمة، وبسبب نفوذ وهيمنة أحزاب السلطة وتسيدها المشهد العام في العراق فقد تمكنت من عملية اقتطاع أغلب البساتين والأراضي الزراعية المحيطة بمدينة بغداد التي أعدت ضمن سياسة الحزام الأخضر لحماية البيئة وتحويلها إلى أراض سكنية للاستفادة منها لمصالحهم الفئوية ومنافعهم المادية وسط عجز حكومي واضح عن إيقافهم واتخاذ الإجراءات الرادعة ضدهم لتتحول العاصمة بغداد إلى أراضي جرداء أسهمت في ارتفاع نسبة التلوث بمستويات غير مسبوقة في تاريخ العاصمة. وآخر تقرير نشر في صحيفة الإندبندنت البريطانية عن خبراء البيئة أشاروا إلى أن منطقة (نهر عمر) في محافظة البصرة هي الأكثر تضررا في العراق بسبب حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط والذي يعد العامل الرئيسي التلوث المناخ مسببة أمراض السرطان والجلد والرئة للمواطنين وارتفعت نسبة الإصابة بمرض السرطان في هذه المنطقة لتشكل(١٥٠) حالة ضمن(١٦٠٠) ساكن.يبقى الحال قائما مهددا امن وحياة أبناء الشعب العراقي إذا لم تعالج ظاهرة التلوث البيئي ببرامج تنموية وصحية وبيئية وزيادة الأحزمة الخضراء التي تحيط بالمدن لتحسين نوعية الهواء وزرع البؤر المسببة العواصف الترابية ورفع المركبات القديمة واستخدام التكنلوجيا النظيفة في معامل الصناعة والإنتاج.

Similar Posts