العراق في مؤشر الجوع العالمي
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تعمل الدول المتحضرة والبلدان المتقدمة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في جميع مجالات الاقتصاد والاستثمار المالي لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الدور التربوي والإنساني لشعوبها ومعالجة جميع الأزمات الاجتماعية التي تمر بها وإعطاء المجالات الواسعة لإيجاد الحلول الجذرية لها مع اتساع صعوبة العيش وارتفاع حالة التضخم وسوء التعامل الميداني مع متطلبات العيش الكريم.
ومن أولى المهام التي تقع على الدولة وحكومتها هي توفير متطلبات الحياة اليومية ومنع الانزلاق إلى مشاكل اقتصادية تؤدي إلى ظواهر اجتماعية تعوق مسيرة الحياة وتطلعات الأفراد ليوم سعيد وغد مشرق، واعتماد الوسائل والأدوات السليمة في الإسراع بمنع أي حالة من الجمود والقلق التي تحيط بالإنسان ومنها ظاهرة العوز والجوع وعدم تأمين مستلزمات الأمن الغذائي، مما ينعكس سلبيًا على طبيعة استمرار الحياة والعمل الدؤوب والابداع الذهني.
ويمكن لنا أخي القارئ الكريم أن نعرف الجوع على أنه (إحساس جسدي غير مريح أو مؤلم بسبب عدم كفاية استهلاك الطاقة الغذائية. يصبح مزمنًا عندما لا يستهلك الشخص كمية كافية من السعرات الحرارية على أساس منتظم ليعيش حياة طبيعية ونشطة وصحية)، وهو مرادف للنقص الغذائي المزمن ويؤدي لسوء التغذية وعدم توازنها وتسبب الضعف الذهني والقلق النفسي والهزال والتقزم لدى الأطفال، وحقق الرصد الميداني لمنظمة الام المتحدة إحصائيات عددية تمثلت في
حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم وتواصلت إلى أن نحو 733 مليون شخص عانوا من الجوع في عام 2023، بواقع واحد من كل 11 شخصاً على مستوى العالم، وواحد من كل خمسة في إفريقيا نتيجة الصراعات والأزمات الاقتصادية.
وأمام هذه المعطيات الميدانية الوقائع الاجتماعية التي تؤثر بشكل بالغ على حياة الإنسان فقد أولت منظمة الأمم المتحدة اهتمامًا واسعًا بهذه الظاهرة عبر نشرها السنوي لمؤشر الجوع في العالم، والذي يعمل على تحديد مستوى الجوع في كل دولة استنادًا إلى تقييم معدلات اقتصادية واجتماعية أهمها نقص امدادات التغذية للسكان وسوء التغذية لدى الأطفال والوفيات المستمرة.
ووفقًا لأحدث تقرير عالمي عن الأزمات الغذائية، واجه ما يقارب 282 مليون شخص في 59 بلدًا وإقليمًا مستويات عالية من الجوع الحاد في عام 2023، وهي زيادة عالمية قدرها 24 مليون شخص قياسًا بالعام السابق. ويعود هذا الارتفاع إلى اتساع نطاق تغطية التقرير لسياقات الأزمات الغذائية بالإضافة إلى التدهور الحاد في الأمن الغذائي، خاصة في قطاع غزة والسودان، وبحسب التوقعات المستقبلية للتقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2024، من المتوقع أن يجد حوالي 1.1 مليون شخص في قطاع غزة و000 79 شخص في جنوب السودان أنفسهم في مستوى الكارثة.
ويُظهر التقرير أن الأطفال والنساء يتصدرون أزمات الجوع هذه، إذ يعاني أكثر من 36 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد في 32 بلدًا، وقد تفاقم سوء التغذية الحاد في عام 2023، خاصةً لدى النازحين بسبب النزاعات والكوارث.
وظلت النزاعات الدافع الرئيسي الذي يؤثر على 20 بلدًا، إذ يعاني ما يقارب 135 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي نصف العدد العالمي تقريبًا. وقد واجه السودان أكبر تدهور بسبب النزاع القائم، حيث يواجه 8.6 ملايين شخص مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد مقارنةً بعام 2022.
وأما على مستوى العراق فقد أظهر (مؤشر الجوع العالمي) لعام 2024 ارتفاع نقاط (العراق) بمؤشر الجوع ليتراجع ست مراتب مقارنة بعام 2023، وأظهر مؤشر الجوع العالمي، تحقيق العراق نقاط جوع بلغت: (14.9)، مرتفعة بمقدار: (1.1) عن عام 2023، الذي بلغ فيه مؤشر الجوع بـالعراق: (13.
فقط، حيث كلما يرتفع عدد النقاط زاد مؤشر الجوع، وحل العراق بنقاطه الجديدة بالمرتبة (70) عالميًا من أصل (127) دولة.
وأكد المؤشر في تقرير بتاريخ 12 تشرين الأول 2024 (أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقص الكبير امدادات القمح تزامنًا مع أزمة الجفاف التي تهدد البلاد، أمور جعلت العراق في مرتبة متقدمة ضمن البلدان الأكثر خطرًا على مجتمعاتها فيما يتعلق بالجوع ونقص الغذاء).
واعتمدت معايير محددة في تقييم الوضع الغذائي في العراق حيث يعاني 16،1٪ من سكان العراق من سوء التغذية كما وأن هناك 15،5٪ من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من التقزم و4٪ يعانون من الهزال، ويموت 2،4٪ منهم قبل بلوغهم سن الخامسة.
وجاءت دول (أفريقيا الوسطى ومدغشقر واليمن الكونغو الديمقراطية وليسوتو والنيجر وتشاد وغينيا بيساو وليبيريا وسيراليون) في المراتب العشرة الأخيرة بمؤشر الجوع العالمي لسنة 2024.
وشدد موضوع التقرير لهذا العام على (التمويل للقضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وجميع أشكال سوء التغذية) ورسم نهجًا متعدد الأوجه يتضمن تحويل النظم الزراعية والغذائية وتعزيزها، ومعالجة أوجه عدم المساواة، وضمان الأنماط الغذائية الصحية الميسورة الكلفة والمتاحة للجميع ودعا إلى زيادة التمويل وجعله أكثر فعالية من حيث الكلفة.
وحذر التقرير من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية سيعاني نحو 582 مليون شخص من نقص التغذية المزمن في نهاية العقد، نصفهم في إفريقيا.
تتطلب معالجة الأزمات الغذائية المستمرة استثمارات وطنية ودولية عاجلة طويلة الأمد لتحويل النظم الغذائية وتعزيز التنمية الزراعية والريفية إلى جانب زيادة الاستعداد للأزمات وتقديم المساعدات الحيوية المنقذة للحياة على نطاق واسع، حيث يكون الأشخاص في أمس الحاجة إليها، ويجب أن يصبح النظام الغذائي والوقاية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الأمد الطويل، وما لم يتحقق ذلك، سيظل الأشخاص يعانون من الجوع مدى الحياة وسوف تتضور الفئات الأضعف جوعًا.