منافذ الميليشيات الولائية… اقتصاد يفوق إمكانية الدولة

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الامة للدراسات والتطوير

تعيش الشعوب الكريمة في كنف دول متحضرة وقيادات وطنية واعية تستمد عطاءها من نبع فكر وانتماء أفرادها وتحقق مبادئ العدالة الاجتماعية وسيادة القانون واحترام إرادة الإنسان وتعزيز البيئة المجتمعية عندما تكون القيم والأخلاق أساسا في بناء الدولة وعندما تتمكن قيادات البلاد من التمتع بقدرات فعالة تعزز قراراتها السيادية وتتحكم بأوضاعها الداخلية وتلتزم احترام شعوبها والحفاظ على أمن وسلامة المجتمع وتعزيز قدراته بالعديد من الأنظمة والقوانين المرعية والثابتة في دستورها الذي تصونه وتلتزم بمواده وتحترم تطبيقه، هنا تكمن إرادة القيادة التي تنبثق من تأييد جماهيري فعال وروح وثابة في العطاء والتضحية من أجل ارتقاء الوطن إلى مصاف الدول المتقدمة والنهوض به نحو آفاق الازدهار والإشعاع الفكري والثقافي والاجتماعي ويكون متحصنا بإطار من الود والمحبة والألفة والتماسك الاجتماعي ولا يسمح بأي تدخلات دولية وإقليمية أو تيارات وأفكار وجماعات مسلحة داخلية تعمل على تحقيق المنافع والمصالح لقوى خارج الوطن، وكلما كانت الأدوات والوسائل التي تقود الدولة وتعمل على تماسكها والحفاظ على أمنها القومي والوطني ومراعاة حفظ الأمن والسلم المجتمعي تزداد قوة وصلابة المجتمع وتتسع دائرة الألفة والمحبة والتعاون بين أبناء الوطن الواحد وتتعاظم أواصر الدفاع عن حياض البلاد والتمسك بوحدته والحفاظ على أمنه وسلامة أبنائه وتسخير طاقات شبابه ضمن إطار تنمية مجتمعية شاملة وبرامج إصلاحية جذرية وأفكار ميدانية صادقة يكون أساسها التضحية والانتماء الحقيقي للوطن والتعاون المجتمعي الصادق الذي يبتعد عن عملية التشكيك والتهميش الذي تسعى إليه معاول الفساد والتخريب السياسي والاقتصادي والأمني والإثراء على حساب أبناء الشعب واستغلال موارده المالية وثرواته الطبيعية دون حق لتحقق المأرب والأهداف الفئوية للجماعات المسلحة أو التيارات السياسية الحزبية المرتبطة بمشروع سياسي إقليمي ودولي على حساب حياة ومستقبل الشعوب الحرة الكريمة.تمثل هذه الثوابت الرصينة والمبادئ القيمة والأهداف السامية حياة وروح وانتماء الشعوب الصادقة الحريصة على بلادها المدافعة عن وجودها المحافظة على تاريخها ومستقبل أجيالها ولا تتحقق هذه القيم إلا بوجود قيادات منتمية إلى شعوبها حريصة على فهم مشاعرها وتنفيذ إرادتها نحو بناء مجتمع مدني ودولة ذو سيادة وقرار سياسي واقتصادي مستقل لتهنئ الشعوب بقدر من السعادة الدائمة والأمن المجتمعي والسلم الأهلي لترتقي إلى مراحل النضج الفكري والعطاء الميداني والانتاج والنمو الاقتصادي الوطني، وعندما نستعرض هذه الأسس والركائز القائمة على بناء وسلامة المجتمعات الرائدة في البلدان المتحضرة، نستذكر واقع بلدنا العراق الحبيب وما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد الاحتلال الأمريكي والنتائج الوخيمة التي أحاطت به بسبب السياسات الخاطئة والأهداف العدوانية والمشاريع الزائفة التي أتت بالعملية السياسية وأدواتها وأثقلت كاهل الشعب العراقي بالعديد من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية عبر حكومات تعاقبت على إدارة البلاد لم تتمكن من تحقيق أي تطور ميداني وتقدم علمي ونهضة شاملة وبناء وإعمار واستثمار حقيقي لثروات العراق والحفاظ على المال العام من النهب والسرقة والضياع، فأسهمت في إيجاد واقع مؤسف ونتائج مؤلمة واقتصاد متهالك وسوء في إدارة الدولة مما أدى إلى ظهور مجاميع مسلحة ومليشيات متنفذة وأحزاب وتيارات سياسية متسلطة لم تتمكن جميع الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي من مواجهتها أو إيقاف تمددها والحد من تحركاتها وتنفيذ أهدافها في تحقيق أغراضها ومنافعها الفئوية ومصالحها الحزبية وسيطرتها الميدانية على الأوضاع العامة في البلاد.جاء تقرير (معهد غلوبال ريسك انسايت ) المتخصص في مناقشة وتحديد المخاطر السياسية والاقتصادية العالمية والصادر بتاريخ 3 تموز 2021 ليعطي كشفا ميدانيا واضحا عن الأساليب والأدوات المسيطرة والمنتفعة من تدهور الأوضاع العامة في العراق وعدم وجود آلية فعالة لمواجهتها والوقوف أمامها، فأشار التقرير إلى نشاط مالي واسع كبير ذي أهداف خاصة وبكسب موارد مالية غير مشروعة على حساب الوطن وشعبه، وتقوم بهذه التوجهات ميليشيات مسلحة تمكنت من السيطرة على العديد من المنافذ الحدودية والتصرف بها حسب أهوائها وأغراضها المادية وتحديد الحدود العراقية-السورية المشتركة مع بعض التواجد الميداني في مناطق معلومة بالقرب من الحدود الإيرانية، تساهم جميعها في السيطرة على التعامل مع جميع الشاحنات والمركبات التي تحمل البضائع وأي مواد أخرى تمر عبر السيطرات الخاصة بهذه المنافذ وتقوم باستيفاء مبالغ مالية على شكل دفعات خاصة واستحصال رسوم مالية لمرور البضائع والمعدات ومواد البناء والانشاءات التي تحملها الشاحنات وتستحصل لقاء ذلك على مبالغ طائلة وكبيرة تساعدها بتنفيذ مهامها وزيادة سطوتها وتحكمها بالوضع العام في العراق وهذا ما ينتج عنه آثار سلبية تنعكس على طبيعة حياة المجتمع وعدم قدرة الحكومة على مواجهتها والحد منها بحيث توصل إلى تكوين قدر من الهيمنة والنفوذ الميداني الذي يخلق صورا من التوترات والتهديدات على حركة وسير العمل في المنافذ الحدودية خاصة وأن العراق لديه منافذ عديدة مع إيران أهمها (زرباطية-الشلامجة-المنذرية-الشيب) ومع الكويت في منطقة (سفوان) أما مع سوريا فيوجد (منفذ الوليد) وبعض النقاط والسيطرات القريبة من قضاء القائم المقابل لمنطقة البوكمال السورية والتي تنتقل من خلالها العديد من عناصر المليشيات المسلحة وتقوم بعدة واجبات عسكرية ولوجستية داخل الأراضي السورية ومنها نقل المعدات والسلاح والمقاتلين ومنع أي عملية مرور إلا من خلالها وبدوافع مالية، وبدأت تنتعش عمليات تجارة الوقود خاصة (النفط والغاز) عبر الحدود المشتركة ما بين قضاء القائم ومنطقة البو كمال و تهريب البضائع والأسلحة وهي منافذ ومسالك وطرق مسيطر عليها من قبل المليشيات المسلحة وتتم عملية التهريب بواقع (10) الاف برميل نفط يوميا يتم نقلها عبر محافظة الأنبار مرورا بمناطق حدودية إلى داخل الأراضي السورية عبر منفذ السكك البري الذي يوصل لسوريا من النهر إلى السنجك ومنفذ منطقة الباغور وبحماية المليشيات التي تدر عليها عمليات التهريب أموالا طائلة وموارد كبيرة وأصبحت تتصرف بحرية وبكل صلاحياتها الميدانية دون أي رقيب أو وازع وخوف من إجراءات حكومية فعالة، وهذا ما يجعل عمليات التهريب مستمرة وبأوقات متفاوتة لتحكم المليشيات بالسيطرة الأمنية والعسكرية على هذه المناطق دون السماح لأي قوة أو تواجد حكومي ولأي قوات عسكرية وأمنية أن تتدخل في إجراءاتها أو سلوكها وإدارتها للمنطقة.أخذت عناصر المليشيات تؤسس لشركات متخصصة وتعمل كواجهات اقتصادية وتجارية لها تقوم بالسيطرة على التبادلات التجارية وخاصة على أرصفة الموانئ المطلة على الخليج العربي للاستفادة من الواردات الكبيرة التي تؤمنها، وتعتبر القوة المالية والاقتصادية التي تمثل قوتها وهي بهذا تساهم في تبديد وضياع الأموال العراقية والعمل ضمن خطة مرسومة لإفساد العاملين في المنافذ الحدودية نتيجة سيطرة المليشيات والمتنفذين من رجال الأعمال الذين يتمتعون بعلاقات متنفذة مع بعض أحزاب السلطة الحاكمة في بغداد والتدخل في شؤون وعمل المنافذ فلكل حزب وفصيل مسلح دور ومهام يختلف عن باقي الفصائل ولكل منهم دوره المرسوم في عمليات التهريب ونوع المواد المهربة، فهنالك عمليات تهريب المخدرات واحتكار تجارة المواد الغذائية والخضروات والفواكه ومواد البناء .ويعرج التقرير عن الدور الميداني الذي تقوم به بعض الأحزاب السياسية والمليشيات المسلحة بفتح مكاتب اقتصادية لها في العديد من المدن والمحافظات العراقية وتحديدا محافظات (نينوى-صلاح الدين-ديالى) وتعمل على الهيمنة والاستحواذ على جميع مشاريع البناء والأعمار وتراخيص العمل والدفوعات المالية المقدمة من الوزارات والمؤسسات الحكومية الخدمية التي تتعلق بالإعلان عن المناقصات الخاصة بإنشاء الطرق وبناء المدارس والمراكز الصحية وتبليط الشوارع وإقامة الحدائق والمتنزهات وبيع وشراء الأراضي الزراعية والسيطرة على دوائر التسجيل العقاري من أجل الاستحواذ على العقارات المربحة، والمكاتب واللجان الاقتصادية هي عبارة عن أجهزة اعتادت الأحزاب السياسية المتنفذة والمليشيات المسلحة التي تشكلت بعد احتلال العراق في 9 نيسان 2003 على تكوينها للاستفادة من أموال الوزارات والمؤسسات التي تحصل عليها هذه الأحزاب عبر مبدأ الطائفية السياسية والتوافقات الحزبية التي أتت بها العملية السياسية وتمتلك فيها أذرعا تمكنها من متابعة حركة المشاريع والاستثمارات في الوزارات والعمل على استخدامها من قبلها ، وأصبحت هذه المكاتب أداة للتخريب والفساد الاقتصادي وضياع ونهب للأموال العامة وإضعاف المنظومة الاقتصادية للبلاد بإيجاد مشاريع وهمية وصرف أموال ميدانية لها دون أن ترى النظر على الأرض وبلغت (90) ألف مشروع وهمي قدرت المبالغ المصرفة لها بـ (300) مليار دولار وتسببت بتدمير البنية التحتية للعراق وايذاء شعبه.جميع هذه الحالات والقرائن والدلالات الواقعية التي نشاهدها في الميدان الاقتصادي انعكست بصورة سلبية على حياة ومستقبل أبناء الشعب العراقي وهي نتيجة واقعية ومنطقية وأزلية بسبب ضعف الإجراءات الحكومية وعدم وجود آليات وإجراءات رادعة لإيقاف حركة الميليشيات وعصابات النهب والسرقة وتهريب الأموال وشبكات المخدرات ومواجهة هيمنة ونفوذ بعض الأحزاب والتيارات السياسية.

Similar Posts