|

النتائج المتحققة من عملية طوفان الأقصى

بقلم : د. خالد القيسي

في هذه السطور فإني لست بصدد الحديث عن نصر عسكري لغزة التي تقف وحدها أمام أعتى قوة عسكرية في العالم ومن ورائها الغرب نصيرا وظهيرا بسلاحه وماله وآلته الإعلامية الكبيرة وإنما للقول بأن غزة قد انتصرت عندما اجتازت الجدار العازل الذي كان تجاوزه يعد ضربًا من الخيال.

وفي خضم حرب غزة اتجه العقل العربي اتجاهات عديدة في تحليل وتقديم رؤية مقنعة لأتباعه حول ما يجري في غزة، منها ما هو تقليدي وهو الذي يؤمن بنظرية المؤامرة، وحتى هؤلاء ينقسمون على أنفسهم في تحديد أطر المؤامرة فمنهم من يعتقد أن (إسرائيل) هي من صنعت هذه المعركة لكي تجهز على فصائل المقاومة وغزة، والقسم الآخر يعتقد أن روسيا أوحت لإيران أن تأمر ذراعها حماس بشن حرب على (إسرائيل) لكي يتم انشغال قادة الغرب بجبهة جديدة حتى يقل الدعم عن أوكرانيا.

بينما يرى اتجاه آخر اشتراط اشتراطات يستحيل توفرها لكي يكون قتالك مشروعًا في نظرهم وليس عبثيًا، بينما القسم الذي يؤمن بفرضية الجهاد وقتال العدو ولكنه يحتكر هذا الحق لنفسه وبدأ يدندن حول منهج حماس وأنها لن تحوز معية الله في النصر لأن قادتها ترضوا يومًا على أناس كانوا سببًا في قتل أهل السنة في سوريا والعراق.

وأما النصر الذي نتكلم عنه والذي وقع فعلا ولا يمكن إنكاره أو تغييب نتائجه فيمكن اختصاره في السطور التالية.

1- إن العقل الجمعي لا يمكن تغييره إلا بحدث عظيم يكون من القوة بمكان بحيث لا يستطيع صناع الرأي إنكار أسبابه أو تغييب نتائجه وعلى مدى ستة عقود ترسخ في العقل الجمعي العربي أن (إسرائيل) لن تقهر وأن العرب مجتمعين لا قبل لهم بحربها مع تزايد قوتها العسكرية ووقوف الغرب بظهرها. ومع عبور المجاهدين الجدار العازل وظهرت صورهم على الفضائيات وهو يقتلون ويأسرون ويدكون مواقع العدو بأسلحة خفيفة وشجاعة منقطعة النظير وفي هذه اللحظة الفارقة تغير الوعي الجمعي العربي حول (إسرائيل) وبدت كأنها نمر من ورق وهذه الحقيقة ستظل ماثلة أمام الجيل القادم ولن يستطيع أحد أن يتكلم عن أسطورة الجيش الذي لا يقهر بل لعل من أعظم نتائج هذه المعركة ولادة جيل مقاوم تجرأ على العدو لأول مرة بهذه الصورة مع قلة العدد والعدة ومع إيمان وشجاعة يعجز الإنسان أن يصورها وتقف الكلمات عاجزة أمامها.

2- في هذه المعركة تبين للجيل العربي الذي لم يدرك الاحتلال في عام 1948 ومرورا بنكبة حزيران عام 1967 عندما هزم العدو الجيوش العربية مجتمعة وظهرت صور جنوده وهم يرقصون على بعد عشرات الكيلومترات من دمشق بأن هذه الحروب كانت غير حقيقية ولا أتكلم عن الجيوش هنا ولكن عن الإرادة السياسية التي كانت تدير هذه المعركة وتخطط لها

3- قللت هذه المعركة كثيرًا من شرعية الحكومات العربية في نظر البسطاء من شعوبها وقليلي الوعي وهم أغلبية ساحقة في مجتمعاتنا وهذه النتيجة ستكون نتائجها مستقبلية وليست آنية وأثارت هذه المعركة في ضمير كل عربي كثيرًا من الأسئلة لعل أهمها لمن هذه الجيوش ولِمَ هذا الصمت المطبق؟ ولِمَ دولة كبيرة بحجم مصر لا تجرؤ على فتح معبر رفح إلا بإذن من إسرائيل؟ ولِمَ يقف الغرب بكل إمكانياته مع (إسرائيل) والعرب لم ينبسوا ببنت شفة حول ما يجري في غزة سوى عبارات قالوها على استحياء غاية ما فيها عدم توسع رقعة الصراع مع العلم أن هذه العبارة فيها طمأنة لـ(إسرائيل) بأننا لن نتدخل مادامت المعركة محصورة في نطاق غزة.

4- خسائر العدو الكبيرة ولا أتكلم هنا عن الاقتصادية منها بل إن العدو خسر صورته القوية في نظر داعميه وبدأوا يعيدون النظر في أهميته وسبب دعمه وكذلك لم تعد إسرائيل تلك القبلة المقصودة لليهود والتي ينعمون فيها بالحياة السعيدة الرغيدة الآمنة خصوصا أنهم أمة وُصفت بالجبن وحب الحياة وبناءً على هذه النتيجة فإن (إسرائيل) ستعاني من نقص الإمداد البشري الذي كان متزايدًا في العقود الأخيرة.

5- كشفت عملية طوفان الأقصى زيف ادعاءات محور المقاومة وأن القضية ليست قضية تحرير القدس وإنما استخدام سلاح المقاومة كورقة تفاوضية رابحة ضاغطة على (إسرائيل) وأمريكا وقد آتت أكلها. إن أي توسع لدائرة القتال سيشتت قدرات العدو ويجبره على قبول نتائج أخرى في صالح أهل غزة ولكن محور المقاومة يناور إعلاميا وبدأ يبوح بنواياه الحقيقة وهي إن دعمه للمقاومة لأغراض سياسية لا يعلن عنها إلا حين تكون الفرصة مواتية وآخر ما قاله السفير الإيراني زعيم محور المقاومة بأن إيران لن تتدخل في الصراع إذا أوقفت (إسرائيل) قصفها لإيران ومصالحها وهذا ما كان متوقعا.

6- أخيرا وهي النتيجة المهمة التي كان يخطط لها العدو لكي يكمل خطته التي بدأها عام 1948 والتي كانت تسمى أرض بلا شعب وشعب بلا أرض والتي كانت تقضي بتهجير جميع الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية إلى الأردن وصحراء سيناء وبذلك سينتهي ملف المقاومة لأن أي عمل عسكري بعد التهجير سيعد عدوانا عسكريا من مصر أو الأردن على (إسرائيل) وبذلك تتحمل كلتا الدولتين المطبعتين مع (إسرائيل) مسؤولية منع أي عمل عسكري ضد الاحتلال وبناءً على هذه المقدمة فإن الاحتلال تنفس الصعداء عندما تسارعت عملية التطبيع وهرولة الدول العربية نحو تل أبيب لكي تطبع مع الاحتلال ومما زاد الطين بلة هو انتقال التطبيع من الطبقة السياسية إلى الأفراد ورأينا مدونين وصناع رأي وإعلاميين يزورون (إسرائيل) ويتبجحون بالسلام معها بل إن بعضهم تغنى بأغانٍ تصف من يطبع مع (إسرائيل) بأنه سلام الشجعان. فجاءت عملية طوفان الأقصى لكي تبدد أحلام (إسرائيل) بإكمال مسيرة التطبيع مع من تبقى من الدول العربية وفي مقدمتهم السعودية على أنها الدولة العربية التي تلعب دورًا إقليميا في الجزء الآسيوي من الأمة العربية وبدأت تنفرد بالقرار العربي بحكم اقتصادها القوي ومكانتها الدينية وموقعها الجغرافية وانها المتفوقة ديموغرافيًا على دول الخليج العربي والتي بدأت تمهد للتطبيع من خلال بعض الإعلاميين الذين بدأوا يلمعون صورة السلام مع (إسرائيل) والسماح للطائرات (الإسرائيلية) بعبور الأجواء السعودية إلى الخليج وكذلك المشروع الأخير بإنشاء تحالف غربي يضم السعودية والهند والإمارات و(إسرائيل) لكي يقف بوجه التمدد الاقتصادي الصيني.

إن نظرية تهجير الفلسطينيين استكمالًا للتهجير في عام 1948 لن تكون ممكنة بعد عملية طوفان الأقصى لأن الدول العربية أصبح موقفها محرجًا أمام شعوبها وبذلك سيبدأ فصل جديد من الوعي العربي والإسلامي الذي رسخت عميلة طوفان الأقصى إيمانه بنفسه وقدراته وأن ثلة مؤمنة بقدرات متواضعة وإيمان راسخ كالجبال وبمجتمع صامد كأهل غزة تقف البطولة أمامه عاجزة سنهزم عدونا.

Similar Posts