الطاقات الشبابية في العراق بين الضياع والاهمال

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تستمد القوى الفاعلة في المجتمعات قدرتها وإمكانياتها في إحداث التغيير والإصلاح المنشود والتقدم بمسارات كبيرة وبمساحات واسعة على عمق الانتماء الحقيقي والإرادة الصلبة والأهداف المنشودة التي تحتضنها الطاقات الشبابية وتشكل العامل الأساسي في رقي وتقدم المجتمع والنهوض به ليكون في مصافي الدول المتقدمة ويواكب مسيرة الازدهار والتقدم والتطلع نحو المستقبل بإرادات فعالة وأفكار نيرة وتجارب ميدانية رائدة ومشاريع تنموية تخدم حركة المجتمع وتعين أفراده وتوفر لهم الحياة الحرة السعيدة وترسم لهم آفاق المستقبل المشرق لأجيالهم وتؤسس النظرة الحقيقية في كيفية التعامل الإيجابي في دعم وإسناد الروح الكفاحية التي يتمتع بها الشباب الواعي الناهض الذي يعرف حقيقة دوره ومسار حياته في تعزيز البنية التحتية للبلاد وتحديد المسارات المشعة والطرق المضيئة في مجتمعه وتعزيز الجوانب الفكرية والعلمية الثقافية في كافة مناحي الحياة وضمان حرية الفكر وصون عملية الإبداع والتطوير الذاتي للقدرات الشبابية.

لا تتقدم المجتمعات ولا تحقق إرادتها ولا تسمو بتطورها وسمو رفعتها إذا لم تكن قائمة على أسس متينة وركائز ثابتة في دعم الشباب وإسناد قابليتهم بتسخير جميع الإمكانيات الحكومية في سبيل توجيه الشباب وتوحيد آرائهم وتبني أفكارهم  في عملية الإصلاح القائمة للمجتمع والنهوض به وتعزيز البنية الأخلاقية والقيم الذاتية واحترام القابليات الشبابية التي تتصف بالجرأة والعطاء والشجاعة في الرأي وتقديم الأفكار والمقترحات السديدة التي تشكل النواة الحقيقية لأي مشاريع استراتيجية وبرامج تنموية تخدم المسار الإيجابي لحركة البناء في المجتمع،  وهذا لا يمكن أن يتحقق أخي القارئ الكريم إلا عبر أدوات حقيقية ومبادئ رصينة وبرامج ثقافية ذات  أبعاد تعبوية شاملة لجميع مجالات العمل الميداني والأخذ بمقتضيات المصلحة العليا للبلاد في إيجاد مساحات لعمليات التدريب والنشأة والاحتواء للطاقات والإبداعات الشبابية.

ولهذا فقد اتخذت المنظمات الأممية وجماعات المجتمع المدني والمراكز البحثية والعلمية يوم الثاني عشر من آب من كل عام واعتبرته يوما للشباب العالمي تحتفي فيه بالطاقات والإبداعات الإيجابية لشريحة مهمة من شرائح المجتمع الذي تستند إليه وتؤمن بقدراته باعتباره الأساس الميداني المثمر في عملية البناء والأعمار والازدهار والتقدم عبر اعتماد جوانب مهمة تتمثل في التركيز على قدرات وإمكانيات الشباب باعتبارهم ثروة البلاد الوطنية وانهم العمود الأساسي للتطور الحضاري والافق المستقبلي لأي بلد من بلدان العالم المتحضر والذي يسعى إلى تعزيز البنى المجتمعية والبرامج الإصلاحية والأدوات الفعالة التي تجني ثمار دعمها واحتضانها لهذه الطاقات الفاعلة من شباب البلاد في نهضتهم وعنفوانهم وحركتهم الإبداعية.

كان العراق ولا يزال موطن الحضارات الإنسانية والعطاء الزاخر بالإمكانيات والطاقات الشبابية والاقتصادية والموارد المالية حيث الثروات الطبيعية التي حبى الله تعالى بها البلاد من معادن ثمينة من النفط والغاز والكبريت ونهرين خالدين دجلة والفرات ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والأيدي العاملة المنتجة والعقول العلمية ذات الكفاءة الميدانية الكبيرة، وعبر تاريخ البلاد الممتد لآلاف السنين شهدت الحركة العمرانية ازدهارا كبيرا وحضور ميدانيا عاليا في بناء المصانع والمعامل وإعداد الحقول والمساحات الزراعية الإنتاجية وتسخير ثروات العراق لإقامة المشاريع الاستراتيجية وبناء السدود والصناعات الثقيلة والمعدات الفنية المتقدمة والإعداد البشري الناضج من طاقات البلاد الشبابية بحيث أصبح العراق منارا مشعا وضياء منيرا وقاعدة للعلم والمعرفة لجميع بلد أن العالم .

ثم أتت السنوات العجاف التي تلت الاحتلال الامريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 والنتائج التي آلت إليه أوضاع البلاد من تخلف وضياع وهدم وتخريب عبر العديد من الوسائل والبرامج والخطط العدوانية التي استخدمت من قبل أدوات وتشكيلات المحتل الأمريكي في نهب وسرقة ثروات أبناء الشعب العراقي ومحاربة العقول العلمية والطاقات الشبابية عبر سلسلة من عمليات الاغتيال والمتابعة الأمنية والاغتيالات والانتهاكات الإنسانية واستخدام أساليب القمع والاضطهاد وبمساندة الفصائل والمليشيات المسلحة التابعة للنظام الإيراني التي استحكم على العديد من جوانب الحياة في العراق   التي أدت إلى هجرة العقول العلمية والفكرية والإنسانية إلى خارج البلاد بهجرة اضطرارية غير طوعية لتحمي أرواحها وتستخدم طاقتها في العمل والإنتاج في بلدان أخرى استمرارا الحياة والعيش الكريم،  وهذا ما انعكس سلبيا على الميدان فانعدمت السبل الإيجابية لحالة التطور والتقدم المجتمعي وأصبحت البلاد في حقبة تاريخية سوداء في جميع مناحي العلم والمعرفة والثقافة والتطور الحضاري بسبب سوء الإدارة للحكومات التي أعقبت الاحتلال وعدم وجود أليات وبرامج حقيقة وخطط فعالة لإنعاش المنظومة الاقتصادية والارتقاء بالمستوى العام للبلاد وادت النتائج إلى تدمير البنى التحتية لجميع منجزات أبناء الشعب العراقي عبر السنين التي سبقت الغزو الأمريكي من منشآت ومعامل صناعية إنتاجية ومراكز علمية بحثية ومنظمات اقتصادية تجارية ومشاريع استراتيجية كانت تمثل النهج العلمي والامتداد الإنساني لبناء المجتمع العراقي الرصين ، فأسست نتائج الاحتلال إلى ضياع الطاقات وضمور العطاء المثمر في احتواء الإمكانيات والإبداعات الشبابية وأصبح المجتمع العراقي يعاني من مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي باستحواذ العديد من أحزاب السلطة على وظائف الدولة في المؤسسات والدوائر الحكومية وتسخير إمكانياتها لمنافعهم ومصالحهم الذاتية بعيدا عن الرعاية الحقيقية لاحتضان الكفاءات الشبابية وتعيينها في مؤسسات ودوائر الدولة والاستفادة من طاقتها وإبداعاتها في العمل والإنتاج.

   وعكست  حقيقة الأوضاع المأساوية وضعف الإجراءات المتخذة التي أدت إلى تراجع نوعية الاهتمام الإنساني بالشباب وإعداد البرامج والمناهج التي تساهم في رفع القدرة التعليمية والثقافية ومناحي الإدراك والوعي لأبناء الشعب العراقي لكي يكون ضمن مصافي الدول المتقدمة في جميع مراحل التعليم ومؤسساته التربوية   ولانعدام هذه المقومات فقد وصلت نسية الفقر في العراق إلى ( 5 مليون نسمة ) ، يعاني فيها المواطنون العراقيون من صعوبة العيش والحصول على مورد للرزق وإيجاد فرصة للعمل الميداني أو الحكومي مع تدهور واضح في عمليات الاستثمار الداخلي وابتعاد رؤوس الأموال والشركات المهمة في العمل داخل العراق بسبب التدهور الأمني وصعوبة التغلب على الأعباء الناتجة عن عدم الاستقرار وتفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في جميع مؤسسات الدولة وافتقار الحكومة لأي رؤى ميدانية صائبة وواضحة المعالم للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية والتفاعل مع الأحداث القائمة وإيجاد قنوات مهمة تسعى للبحث عن ميادين فعالة وبرامج تنموية شاملة ورؤى اقتصادية جامعة تساهم بحل المشاكل والمعضلات التي تعاني منها المؤسسات الاقتصادية والحكومية بعد العديد من الاجراءات التي لم تتمكن فيها الأدوات الحكومية من العمل باتجاه تحقيق الأهداف الميدانية الرصينة التي تحقق اقتصادا وطنيا يكون دعامة لمستقبل الشباب العراقي الجامح لحياة حرة كريمة بأمر إنتاجية فعالة تخدم مسيرة التطور الحضاري للبلاد .

Similar Posts