“باروميتر” الكرامة ومعيارها بين الدول
بقلم / الناقد أدهم الشبيب
الدول لديها أجهزة ومؤسسات وخبراء مختصون – أقصد الدول المحترمة- يراقبون عادات وتقاليد وتصرفات ومن ثم ردود أفعال الشعوب حول إجراءات أو قرارات حكوماتها أولا وحول أفعال الدول الأجنبية مع تلك الشعوب وتلك الحكومات الممثلة لها ديموقراطيا أو وراثيا أو دكتاتوريا.
فإن وجدت أن الشعوب محترمة من حكوماتها أو أن تلك الحكومات تخاف من شعوبها وعلى شعوبها وتحسب حسابهم في الصغيرة والكبيرة وتراعي عدم استفزازهم في القرارات والإجراءات وتسيير الاقتصاد والأسعار والدوائر الخدمية والمواقع الوظيفية، وتحمي شخصية البلاد المعنوية.
وإذا لاحظت أن تلك الشعوب لا تقبل الإهانة أو الهوان أو الإهمال أو الإساءة أو سوء الخدمة في الدوائر المحلية داخل بلادها و تأكدت أن حكوماتها تحرص على تقديم أعلى الخدمات لها، تبدأ هذه الدول الأجنبية بالانتباه كثيرا في التعامل مع مواطني تلك البلاد بالحسنى والاحترام و التأني في التصرف بالذوق والأدب وتحث دوائرها وموظفيها في المطارات ودوائر الهجرة ومفاصل السياحة أن احذروا من الإساءة أو الإهمال أو الإهانة مع مواطني الدولة الفلانية الزائرين لدولتنا لأننا يهمنا أن لا يغضبوا ولا تسوء العلاقات أو تتوقف التبادلات أو الاقتصاد أو أو ،، مما إلى ذلك من المصالح المشتركة للدول بحكم سنة الحياة وتعامل الأمم والشعوب.
أما إذا رأت وعلمت بحكم المراقبة والتجسس والاستبيان أن الشعوب مهانة من حكوماتها ولا تحرك ساكنا، ومعدومة الخدمات دون أن تعترض و جائعة رغم مواردها و مستضعفة رغم قوتها وفقيرة رغم غنى دولها و مضطهدة مقهورة في مراجعاتها ودوائر بلدها ووزاراتها، فإن الدول الأجنبية تضعها مع الهمل وتوجه موظفيها ودوائرها أن لا تتهاونوا مع الجنسية الفلانية واجعلوهم آخر الأولويات، وإن لم توجههم هكذا بالمباشر فعلى الأقل لا تنبه موظفيها على التعامل المحترم مع سواح تلك البلدان و طلبتها أو متعالجيها أو الوافدين منها لأي سبب.
وهذا يفسر لك إهانة بعض الجنسيات مثل العراقيين والمصريين رغم أنهم أقدم شعوب الأرض وأولها حضارة وتقدما وأكثرها ازدهارا إلى منتصف القرن الماضي، ولكن تراهم و أمثالهم في كل مطار عالمي وتلمس احتقار سائحيهم في بلدان أوروبا ابتداء من تركيا إلى آخر دول الشمال الاسكندنافي و حتى في دول آسيا المتقدمة مثل كوريا واليابان وغيرها، فلا دخول بدون فيزا معقدة ولا احترام لما يمتلكون في دول الوجهة، ولا اكتراث لشؤون الشكاوى في مراكز الشرطة او غيرها، ولا استعادة لما يخسرون أو يضيعون من أموال ، فان قلت ولكن ربما بسبب أن بعض الشعوب يسافرون للعمل أو الهجرة فيعاملون هكذا، أقول لك إن العراقيين مثلا في تركيا وبعض البلاد الأوروبية الأخرى يعتبرون السواح رقم واحد ومن المستثمرين الأوائل اقتصاديا في الأموال والعقارات والتهريب النقدي، وإن العراق كبلد يستورد من تلك البلدان نسبة كبيرة من تصنيعها وزراعتها ويدعم بالتالي اقتصاداتها بشكل مركزي ، بل وهناك دول تعيش على نفط العراق كتصدير وعلى مساعداته وأمواله المتدفقة ومع هذا تعامل العراقي بشكل مهين إلى درجة أنك لا يمكن أن تجد فيها إلا من تخلى عن كرامته تماما أو اضطر للسفر إليها لخراب البنية التحتية تماما في بلده علاجا أو دراسة.
ليست القضية قضية عمل أو هجرة أو قلة أو كثرة، بل قضية إن الذي لا يحترم نفسه لا يحترمه أحد، وهذه معادلة منطقية طبيعية تنطبق على الدول كما تنطبق على الأفراد.