الطفل العراقي وغياب الإعداد التربوي السليم
بقلم : إياد العنّاز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
إذا ما نظرنا إلى الواقع الذي يعيشه أطفال العراق بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد في التاسع من نيسان عام 2003 وجدنا أن من أعظمها خطرا ما يعانيه الطفل العراقي من مشاكل معقدة نتيجة الأوضاع المأساوية التي تشهدها البلاد وغياب البنى التحتية وتعاظم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بالبلاد مما جعل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال بعيدة عن الاهتمام بهذه الجوانب الرئيسية في بناء المجتمع العراقي على أسس ومبادئ راسخة من القيم والمثل والأخلاق التربوية التي تنشئ جيل من الأطفال والفتيان قادرين على بناء بلادهم وتحقيق مسار الحياة السعيدة والعيش الكريم والتقدم في كافة مجالات الحياة، وأدى الغياب الحكومي إلى عدم توفير بيئة آمنة وصحية يستطيع فيها الأطفال من ممارسة طفولتهم والعيش بسلام بعيدة عن منغصات الحياة ومتاعبها ولكن الذي حصل أن نسبة من الأطفال تم استغلالهم للعمالة المبكرة أو التسول وأصبحت حياتهم مهددة بالمخاطر الاجتماعية التي بدأت تؤثر على سلوكهم وتربيتهم المجتمعية وتزامنا مع الظواهر الاجتماعية والأزمات الاقتصادية التي اجتاحت المجتمع العراقي وتمثلت بتفكك الأسرة العراقية وتزايدت حالات الطلاق واتباع بعض العوائل لسلوك بعيد عن المفهوم الاجتماعي في الرعاية الأبوية التي تميز بها الإنسان العراقي للحصول على ابسط مستلزمات العيش الكريم بتشغيل أولادهم في أعمال شاقة أو لا تمثل طبيعة البنية الجسدية لهم مما جعلهم يتحملون العديد من المشاكل والمصاعب الحياتية وأصبح الحال يمثل واقعا مؤلما بعدم وجود منظومات اقتصادية فعالة وخطط لبرامج تنموية تساهم في تعزيز البنية الاجتماعية ورعاية الطفولة العراقية وفقدان الشعور بالأمان واستمرار حالة الخوف واليأس والقنوط من المستقبل كلها عوامل تساهم في عدم إعداد جيل من المتعلمين والمؤثرين في الحياة اليومية وإضعاف البنية الاجتماعية والتربوية في بناء الطفولة العراقية التي تساهم في بناء المجتمع المدني المنشود.
كانت من النتائج السلبية والتي أثرت على البنية التعليمية المجتمع العراقي في إيجاد حلول العديد من المشاكل والمعوقات التي تعيشها الطفولة في العراق أن ابتعد العديد منهم عن إكمال دراسته أو حتى الذهاب إلى المدارس وأصبح هناك (3) مليون طفل خارج المؤسسات التعليمية،
وهذا ما أكدته الاحصائية التي أعلنها الجهاز المركزي العراقي للإحصاء عندما أشار إلى أن الأمية تنتشر في العراق بواقع 13% عند عمر عشر سنوات و8% يعنى عشر سنوات للذكور و18% مثلها للإناث كما أن نسبة الالتحاق بالمدارس المتوسطة يشكل 57% والإعدادية 31% في عموم البلاد
وافتقار البلد إلى برامج تنموية شاملة وخطط اقتصادية للنهوض بالمنظومة الاجتماعية الذي أدى إلى زيادة نسبة الفقر بين العوائل العراقية حتى بلغت 25% من مجموع عدد سكان العراق البالغ 40 مليون نسمة مما دفع العديد من العوائل العراقية إلى تشغيل أبنائهم بغية الحصول على موارد مالية تعينهم في حياتهم وهذا الأمر أدى إلى ترك البعض لدراسته وعدم الانتظام في الذهاب للمدارس.
ويبقى الطفل العراقي يعاني من تحديات كبيرة وانتهاك متواصل لحقوقه في الحياة ليس كباقي أطفال العالم في بلد يفترض أن تتمتع فيه الطفولة بكل الامتيازات والوسائل التي تجعلهم في سعادة ورفاهية واطمئنان على مستقبلهم بحكم ما يمتلكه العراق من ثروات طبيعية وموارد مالية ولكن الفساد السياسي والاقتصادي الذي أصبح السمة الأساسية التي تتصف بها العملية السياسية وعدم القدرة على التحكم بالقرار الوطني المستقل تجعل موارد البلاد بيد طبقة من الفاسدين السياسيين وتدار من قبل شبكات كبيرة تساهم في تبديد المال العام وتبيض الأموال وتهريبها خارج البلاد تحقيقا لمنافعهم وغاياتهم المادية.
تسعى البلدان المتقدمة إلى اعتماد صيغ وبرامج اجتماعية وتربوية لإنشاء وتربية جيل واع ومتعلم لبناء المجتمع وارساء قواعد للعلاقات الاجتماعية على أسس رصينة ومتينة من العمل المتواصل وإعداد الخطط التربوية والمناهج التعليمية والورش الفنية لبناء جيل من الأطفال والفتيان والشباب ليساهم في حركة البناء والأعمار والتقدم والازدهار الذي تسعى إليه المجتمعات الناجحة وفيها تبنى الحياة على مرتكزات من التربية الصالحة والإعداد التعليمي الناجح ضمن منظومة تعليمية ذات منهج واضح ودراسات ميدانية ناضجة وادوات سليمة تكون عون لجميع الإجراءات والقوانين التي تتبناها الدول وتساهم في تعزيز البنية الصحيحة لإعداد شباب متمكن وصادق وحريص على بناء بلده وتمتين أواصر العلاقات الاجتماعية وفق مناهج تربوية ومراكز علمية تدعم الجهود الفعالة وتؤشر الإيجابيات والقدرات العلمية لدى الأطفال وهم في مقتبل أعمارهم ليتم تربيتهم والأخذ بأيديهم واعدادهم بشكل سليم يؤدي إلى تحقيق آفاق مستقبلية ناضجة من العمل المتواصل في البناء الفكري والإعداد النفسي للإنسان ، ومن هنا تبدأ المراحل الأولية في إنضاج العملية التربوية وبناء القاعدة الرصينة للأخذ بكل الأسباب التي توصل إلى نتائج قيم من احتضان ورعاية كل المواهب والإبداعات التي تتمثل في شخصية الطفل وتشخيص الحالات العلمية والفنية التي تظهر عليه من خلال المتابعة والدراسة المستمرة وفهم الواقع الميداني الذي يتعايش فيه الطفل وكيفية إدارة عملية إعداده بشكل يساهم في تحقيق مستقبل زاهر وغد أفضل للوصول إلى تحقيق حالة من الرفاهية والسعادة واحتواء جميع الطاقات الإبداعية في مقتبل حياتها والأخذ بها لتعزيز حالة الوعي والفهم والإدراك ومعالجة جميع الإشكالات والحواجز التي تمنع تحقيق هذه الآمال العريضة.
ولهذا فقد اهتمت منظمة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني ومراكز البحوث والدراسات والإعداد التربوي والنفسي بالأحوال والمراحل التي يمر بها الأطفال وأقرت أن يكون اليوم العشرين من شهر تشرين الثاني من كل عام يوما للطفل العالمي لتعزيز الترابط الدولي واذكاء الوعي بين أطفال العالم وتحسين رفاهيتهم والتذكير بحقوقهم ، واتخذت الأمم المتحدة قرارها بالإعلان عن يوم الطفل العالمي عام 1954 باعتباره مناسبة عالمية يحتفل فيها كل عام ثم اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل عام 1959 وأعدت البرامج والخطط الناجحة لتصل إلى نتائج حاسمة في تحقيق اتفاقية حقوق الطفل عام 1989، ومنذ عام 1990 يحتفل العالم بأسره باليوم العالمي للطفل باعتباره الذكرى السنوية لتاريخ اتخاذ المنظمة لهذه القرارات والإجراءات التربوية التي تعتبرها مناسبة لتثقيف المجتمع بشأن هذه القضية الإنسانية التربوية وحشد الإرادة السياسية والموارد المادية لمعالجة مشاكلها والاحتفال بالإنجازات الإنسانية التي تحققها المجتمعات في عموم المعمورة .
والهدف الأساسي من اعتماد هذه المعايير التربوية والإنسانية إنما يتحدد في السعي طفولة آمنة ومستقرة وسعيدة ضمن أسرة وبيئة داعمة لتحقيق التنشئة الأفضل وحماية الأطفال وتطوير قدراتهم الجسمية والنفسية والعقلية عبر برامج ومشاريع فعالة وعدم تربية الطفل في بيئة تجعل منه شخصا غير فعال في المجتمع وغير صالح في المستقبل وأغلب المشاكل التي يتعرض إليها الأطفال هي الفقر والوضع الاجتماعي الذي يؤدي إلى التفكك الأسري.
ولكي نصل إلى حقيقة واضحة أخي القارئ الكريم علينا أن ندرك أن مفهوم حماية الطفل تندرج في (حماية الأطفال من الأذى والعنف وإساءة المعاملة والاستغلال والإهمال ومنع الإيذاء النفسي وتعزيز هذا المفهوم بالإجراءات الفاعلة التي توصل إلى رفاهية وسلامة وحياة الطفل).
وختاما أقول إن حماية الطفل مسؤولية أسرية مجتمعية لم تعد قاصرة على توفير المأكل والملبس والمسكن أو تقديم خدمات صحية ومادية ومنع الضرر والإيذاء الجسدي بل هي مسؤولية تربوية وقائية وتحصينا نفسيا ومعنويا وأخلاقيا وهي من أهم المسؤوليات التي تحتاج إلى إستراتيجية وثقافة مجتمعية لإنجاحها وتفعيلها في ظل عوائق اجتماعية وقانونية يحب تداركها.