كلمة بلاسخارت …. خيال خادع لا حقيقة له

بقلم : إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

يستمر المشهد السياسي العراقي في تفاعلاته الميدانية وأوجه الصراعات السياسية بين الأحزاب والكتل السياسية وعدم وضوح الرؤية والتأثير الميداني لكيفية التعامل مع الأزمات السياسية والاقتصادية التي تحيط بالبلاد وانعدام حالة التوافق والتواصل بين جميع أحزاب السلطة وانعكاس نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في العاشر من تشرين الاول عام ٢٠٢١ على طبيعة العلاقات بينهم وأبرزت حجم الخلافات والتناقضات في كيفية إدارة السلطة وابتعاد الجميع عن المحاور الرئيسية في معالجة الخلل الذي يعيشه العراق بعد الاحتلال الأمريكي وفشل العملية السياسية التي أتى بها وأشرف عليها الحاكم الأمريكي المدني بول بريمر وأعد لها العديد من البنود والأسس والمرتكزات التي أصبحت تشكل همًّا ثقيلا يؤرق مستقبل العراق ويزيد من محنته وصعوبة العيش فيه واستمرار حالة الضياع والتوهان في إيجاد مخارج مما يعانيه أبناء الشعب العراقي الذين أصابهم الجزع وأثقلتهم الهموم وزادت من معاناتهم سوء الإدارة وفقدان الرؤية الميدانية لرسم صورة مستقبلية مشرقة لعوائلهم وأبنائهم وأصبحوا يدركون حالة الفساد الاقتصادي والسياسي الذي تعاني منه البلاد وعدم وجود آليات حقيقية ووسائل فاعلة وإجراءات تنفيذية قانونية رادعة لحماية العراق من الفاسدين والمفسدين والداعمين لشبكات الفساد وتهريب الأموال وضياع ثروات البلاد. أصبحت الأوضاع العامة في العراق واضحة المعالم في جميع الميادين وألقت بظلالها على العديد من القضايا المهمة التي افصحت عن مكنونات ما تضمره الأحزاب والكتل السياسية والتجمعات المشتركة في الانتخابات الأخيرة والانعكاسات التي برزت في العديد من الذين رفضوا نتائجها التي أعلنت عنها المفوضية العليا وجاءت لتؤكد حقيقة أن جميع المشاركين سارعوا للبحث عن مغانم السلطة والهيمنة على مقدرات البلاد والسعي لإيجاد محاور وتحالفات تساهم في زيادة حدة الخلافات والصراعات بين الأحزاب الحاكمة وأدواتها وبعض من مليشياتها المسلحة وامتدت الحالة لتشكل وضعا أمنيا خطيرا هدد أمن وسلامة المواطن العراقي الذي أعطى صورة صادقة لعمق الفكر الإنساني والهمة الوجدانية والالتزام المعنوي في فهم واستيعاب عملية الانتخابات التي جاءت مكملة لجميع المراحل السابقة التي تلت الاحتلال الامريكي للعراق في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ وما أعقبها من حكومات عديدة وانتخابات مستمرة أوضحت طبيعة وحقيقة النوايا والأهداف التي تسعى إليها الكتل السياسية في مشاركتها بالعملية السياسية والآفاق المستقبلية والمنافع الفئوية التي تحرص عليها بعيدا عن تطلعات وأماني وأهداف الشعب العراقي، وهذا ما أكدته الجماهير الواعية في عدم الاستجابة وامتناعها عن الذهاب لصناديق الاقتراع والمشاركة الفعلية في الانتخابات وبنسب فاجأت المهتمين بالشأن العراقي.أدت هذه الأوضاع إلى ظهور العديد من الظواهر السياسية والاختلافات الميدانية والنزاعات الحزبية بدافع الاعتراض واستخدام أسلوب المواجهة في رفض نتائج الانتخابات وفرضت التجاذبات الدولية والإقليمية إرادتها الميدانية في تحديد المسارات المتعلقة بمستقبل البلاد على ضوء ما حدث بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، ومن هنا جاءت كلمة ( جينيس هينيس بلاسخارت ) الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق التي وجهتها عبر الدائرة التلفزيونية المفتوحة لمجلس الأمن الدولي التابعة للأمم المتحدة بتاريخ الثالث والعشرين من تشرين ثاني ٢٠٢١ وأوضحت فيها المناخ السياسي الذي ساد الانتخابات العراقية وما بعدها وأعطت شرحا للخطوات والوسائل والأدوات المستخدمة في إكمال الانتخابات ورسمت صورة للأبعاد السياسية التي رافقتها والمشاكل والأزمات التي أحاطت بها، وعند الحديث عن الاختلافات في الرؤى لدى الأحزاب المشاركة التي رفضت النتائج كونها خسرت العديد من المقاعد الانتخابية والأصوات الشعبية وتفاجأت بالأرقام المعلنة، جاء حديث بلاسخارت إلى هذه المجاميع عبر كلمتها لمجلس الأمن الدولي بأن عليهم ( التعامل مع أي مخاوف انتخابية من خلال القنوات القانونية حصرا ووفق القانون وأن الهدوء وضبط النفس هي السبيل الوحيد للمضي قدما) ، وهي إشارة واضحة إلى أن الأساليب التي اتبعتها الجهات الرافضة لنتائج الانتخابات والاحتجاجات التي رافقها العديد من الأعمال والممارسات التي وصلت بمحيط المنطقة الخضراء أنها بعيدة عن كل معاني الديمقراطية التي يدعونها، وبالكلام عن الأسباب الموجبة لإقامة الانتخابات كان كلام ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة أنها تحققت بعد المطالبات الشعبية والاحتجاجات الجماهيرية التي احتضنتها ساحات وميادين مدينة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية في ثورة تشرين المجيدة بالأول من تشرين الأول عام ٢٠١٩ وتقديم التضحيات الجسام بالدماء التي أريقت من أجل رفعة وحرية أبناء الشعب العراقي الذي طالبت طلائع الثورة المباركة برفض التبعية السياسية ودور أحزاب السلطة الحاكمة وتحدثت قائلة ( إن التظاهرات تخللها أساليب عنف واستخدام القوة وعمليات اختطاف وحالات استهداف قتل ومئات من القتلى والآلاف الجرحى) ولكنها أغفلت وابتعدت عن إدانة الحكومة العراقية في عدم كشفها عن الشخوص والقتلة والأدوات الفاعلة التي طالت المتظاهرين من شباب وأبناء الثورة وأراقت دماءهم الطاهرة وتشخيصهم وإحالتهم للمحاكم المختصة كما أقرت بذلك السلطات العراقية ولكنها لم تتمكن لحد الآن من إعلان النتائج الحقيقية للجان المشكلة لإدانة القتلة والجهات التي وراءهم. تبقى الإرادة الدولية والإقليمية هي المحرك الأساسي لطبيعة العلاقة القائمة في المشهد السياسي العراقي وفقا لمصالحها وشراكتها الميدانية وهذا ما يؤدي إلى عدم استقلالية الرأي الميداني في وصف ما تعصف به البلاد من مشاكل كبيرة وأدوات وجهات لها السلطة على التحكم في بعض القرارات وفرض إرادتها وتنفيذ أهدافها بحيث لا تستطيع الحكومات العراقية من مواجهتها أو الحد من حركتها، وجاء كلام بلاسخارت ليوضح الأسلوب الميداني الذي قامت به الأحزاب بقولها( يمكن أن تثير نتائج الانتخابات نقاشا حادًا ولكن إذا ما رافقها دوافع غير ديمقراطية مثل التضليل والاتهامات والترهيب والتهديد بالعنف آجلا أم عاجلا سيفتح المجال أمام ممارسات هي ببساطة لا يمكن التهاون إزاءها) وهي توضيح إلى ما حدث يوم السابع عشر من تشرين الأول ٢٠٢١ عندما شرعت الجهات والأحزاب الرافضة للنتائج بالتظاهر والاعتصام بالقرب من المنطقة الخضراء وتصاعدت إلى أن وصلت ذروتها في اقتحام أسوار المنطقة الخضراء في الخامس من تشرين ثاني ٢٠٢١ حيث مقرات البعثات الدبلوماسية ومؤسسات وهيئات ووزارات حكومة بغداد، وألمحت هنا بالتهديد واتخاذ الإجراءات في أي محاولة غير قانونية لتغيير النتائج والتلاعب بها وأنها سترتد على أصحابها، وعلى الجميع التحلي بمزيد من الصبر، وهنا لم تتمكن بلاسخارت من تسمية هذه الأحزاب والجهات والإشارة إليها بصورة كاملة رغم معرفتها بهم.لم تستطع ممثلة الأمين العام إلا أن تشير إلى حقيقة سياسية واضحة كانت حصيلة نتائج العملية السياسية وفشلها في إدارة السلطة بالعراق رغم الدعم الأمريكي والمساندة من النظام الإيراني ولكن الاختلافات والصراعات السياسية بين أحزاب السلطة وعدم وجود قاسم مشترك لكيفية التعامل مع الأوضاع الداخلية وضعف الإجراءات الميدانية وعدم وجود رؤى فكرية سليمة تساهم في والمجتمع العراقي، كل هذا أدى كما جاء بكلمة بلاسخارت بأن جعل العراق ( بحاجة إلى حكومة قادرة على التعامل بسرعة وفاعلية مع لائحة طويلة من المهام المحلية غير المنجزة وهي المسؤولية الأساسية لكافة الأحزاب السياسية المعنية ) وهي رسالة أرادت أن توضحها لأعضاء مجلس الأمن الدولي بأن الأوضاع القائمة في العراق لا يمكن أن تلبي طموحات وآمال شعبه الذي يعاني الكثير من الأزمات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية وضعف في النمو والتنمية الاجتماعية وفقدان المشاريع الرائدة والاستثمارات الحيوية وفق أسس وركائز تعزز عملية المنظومة السياسية والاقتصادية التي تفتقد لقيادات سياسية تحاكي الواقع المأساوي الذي يعيشه أبناء الشعب العراقي وأن البلاد بحاجة إلى إصلاحات جذرية في كافة المجالات وسيكون مستقبل العراق غامضا إذا لم ترافقه وسائل فاعلة للتغيير وإصلاحات ميدانية صادقة بعيدا عن المصالح الفئوية والمادية لأحزاب السلطة وأدواتها التي ابتعدت كثيرا عن المواطن العراقي وأثقلت كاهله بالعديد من الأزمات التي انعكست على طبيعة حياته وطموحاته وآماله في الحياة الحرة الكريمة.

Similar Posts