اندحار العقل وتسطيح الجموع

الناقد أدهم الشبيب

يقول المثل الشعبي السوري (إذا ربعك جَنّو عقلك ما يفيدك)

وهذا رأي صحيح بل ومن جيد الحكمة، فما نفع عاقل وسط مجموعة من مجانين إن تحدث بما ينفعهم فلن ينصتوا إليه وإن أنصتوا فلن يفهموا عليه، ومع الوقت إما أن يستسلم فينكفئ ويعتزل أو يندمج معهم فيخسر عقله تدريجيا ويذوب مع روح الجماعة.

ولا شك أن المغزى من المثل السالف، أبعد من ضيّق مثاله، فالأمر ينسحب على كل جانب: القاضي الذي يقضي بالحق وحيدا ولا يرضى زملاؤه عنه ولا يتعاونون لأنهم-ببساطة- مرتشون أو متحيزون فسوف يبدو شاذًا ويحاصرونه إلى أن يستسلم أو يبتعد، والمعلم الذي يخلص في درسه وحيدًا لا يعاونه أحد ولا يشبهه أحد والمجموع من حوله يقصرون من أجل المساومة على مقابل ما في الحرم الجامعي أو لسحب طلابهم إلى الدرس الخاص والمدرسة الأهلية لامتصاص المال، فيرى مديره المنتفع لا يتعاون ويصعّب عليه مهامه، والطلبة وأولياؤهم مغيبون لا يفقهون وتدور الرحى على المسكين حتى يظهر هو الشاذ والمخالف ثم المقصر الوحيد فسيعتزل أو يستسلم ويذوب، والطبيب الذي يحضر ويكشف على مرضاه وحيدًا بالأجر العام فسيغضب مصاحبيه، والمهندس المخلص الذي يتناوشه المهندسون والمقاولون ويلومه الموظفون ويعرقله المنتفعون حتى يسقط وينهار مستسلمًا أو هاربًا، والموظف الذي يسيّر أمر الناس دون رشوة فيستعدي زملاءه المرتشين، كل هؤلاء إن اتفقوا وتواطؤوا فلن يكون -كما يبدو للناظر- لما يفعله فرد واحد أي دور ، ولذا يقول الصينيون -إن صح عنهم- “أن تسير مستقيما في مجتمع أعوج فهو الاعوجاج بعينه” وهذا قول خطأ ويعمم البلاء بدل أن يوقفه، وعلى مصاديق هذا القول وعلى الذي سبقه من تحليل اعتمد الشيطانيون في تخريب من استهدفوهم من الشعوب أو المِلل أو الأقوام أو ما أقل من ذلك وأضيق، فضخُّ التفاهة وترويجها وتمويل الذين يقدمونها كمحتوى أو برنامج أو بوست أو خطاب، وتعميم الانحلال وجعله هو الرائج وتجفيف منابع الحق ودعم الرشوة وجعل المجتمع يستقبل المرتشين بأموالهم المغتصبة وبسياراتهم الفارهة وتقديم الاحترام لهم بدل اللوم والازدراء، وتشجيع المرأة المتحررة على الجرأة وضرب القيم ومخالطة الرجال ومنافستهم فيما أسعفتهم الفطرة على عمله، وإيهام المراهقين أن القدوة هو لاعب الكرة والراقصة والمطرب وأمثالهم ، وتقديمهم له بتسمية مظلومة “فنانين أو مبدعين”، والترويج للموتورين على أنهم سياسيون ناجحون وتصديرهم لمراكز في الحكومات والبرلمانات، كل هذا هو تسطيح متعمد وتعميم مقصود لكي يبقى رائد الحكمة معزولًا وصاحب العقل مدحورًا ومُداوم الاخلاص شاذًا ملومًا، فإذا أصبح الكل يسير على هذا المنوال ويتبنى هذه الدناءات فما نفع كونك تنفرد بالحق والاستقامة وحيدًا، فلا بد من العمل على تدارك من حولك أن لا يلفه التسطيح -إن كان عقلك راجحًا-وأن لا تطحنه الرحى فيفقد إدراكه والتمييز بين الحق والباطل والقيم والرذيلة، فعندها سيظن أن هذا هو الصحيح ويصبح كالمجنون لا يعي ما يفعل وتدريجيًا يصبح كل من حولك مجانين على هذا الطراز (وإذا ربعك كلهم “جنُّوا) ،فإن عقلك أنت لوحدك-(ما راح يفيدك).

Similar Posts