مشكلتنا في العراق مع مَن؟
|

مشكلتنا في العراق .. مع من؟(*)

د. مثنى حارث الضاري(**)

قبل أن أدلف إلى المحاضرة، لا بد لي من أن أقول كلمة فيما جرى بالأمس، عندما أُعلن عن وقف إطلاق النار في غزة؛ لقد كان وقف إطلاق النار المتوقع منذ مدة؛ بابًا للفرج لإخوتنا في فلسطين عامة وفي غزة خاصة، وهو مفتاح لإنهاء هذه المجزرة التي دامت مدة طويلة جدًا.

لقد صبر أهل غزة، وقدّموا الكثير من التضحيات، وخرجوا من هذه الأزمة أو سيخرجون -إن شاء الله- بعزة وكرامة، ورفعة رأس، وصمود وثبات. إن هذا الصمود، وهذا الصبر، وهذه المعاناة الطويلة، وهذه الدروس والعبر؛ تجعلنا جميعًا كمسلمين نفخر بما قدموا.

ومحاضرتنا اليوم ليست بعيدة عن هذه الأجواء، وإن كانت تتحدث عن العراق، وعن الجانب السياسي منه بشكل خاص؛ ونطرح فيها سؤالًا قد يكون غريبًا نوعًا ما؛ حيث ما زال سؤال يتردد عند كثيرين بعد (22) سنة من الاحتلال، مشكلتنا في العراق.. مع من؟.

والمقصود من مناقشة هذا السؤال هو إثارة الأفكار؛ للإجابة عن عدد من التساؤلات، والأوهام والتشكيكات، والتحديات، التي مررنا بها طوال السنوات الماضية، ولا سيَّما القوى المناهضة للاحتلال بجانبيها: المسلح وغير المسلح.

ولست هنا بصدد الحديث عن المشاكل المعلومة للجميع في العراق؛ ولكن بصدد بيان ما تقدم ذكره؛ استفادة من الأجواء التي تعيشها الأمة بعد ما حدث في سوريا.. أجواء التحرير، التي اقترنت بأجواء الصمود والصبر في غزة، فضلًا عن أجواء السودان المؤلمة جدًا.

لقد تعرض العراقيون طوال السنوات الماضية، ولا سيَّما من تصدى منهم للعمل السياسي المناهض للاحتلال، للنقد، والضغط، والتشكيك، وكان السؤال الذي يطرح عليهم دائمًا: ما هي مشكلتكم؟ ثم تأتي الإجابات غير المنتظرة لجواب السائل، لتصادر كثيرًا من الوقائع على الأرض.

ففي عام (2002م)، اصطف العالم مع العراق -وأقصد هنا العالم الشعبي وليس الرسمي- استنكارًا لما يجري من مقدمات غزوه واحتلاله، ووقع الاحتلال بعد ذلك في عام (2003م)، وجرى ما جرى منذ ذلك الحين وحتى الآن.. وهذه هي مقدمة الجواب، ونتيجة الاحتلال.

محاولات صرف الانتباه عن العدو:

كانت هناك جهات عدة تسعى للتأثير علينا ومحاولة صرفنا عن العدو الغازي المحتل، والالتفات بنا إلى جهات أخرى أو إلى أوصاف أخرى، وأعود بكم إلى عام (2005م) في القاهرة؛ حيث شاركت في لقاء مع إذاعة (BBC) البريطانية، وكان أحد المتحدثين في اللقاء من قادة الصحوات، يتحدث بروح أن المشكلة في العراق هي إيران، ويقول: إن عدوي الأول في العراق هي إيران، أولًا وثانيًا وثالثًا… وعاشرًا، ثم أمريكا.

هذا الكلام ما كان موجودًا في ساعة الاحتلال الأولى، لا من هذا المتحدث ولا من غيره؛ ولكنها مقتضيات السياسة، ومتغيرات المصالح، وضغوطات الإرادات الفاعلة في العراق إقليمية كانت أم دولية، التي كانت تقتضي أن يكون الجواب بهذه الطريقة؛ لإبعاد أمريكا عن الصورة؛ ومحاولة امتصاص زخم المقاومة العراقية، والإجهاز عليها بأي طريقة.

وقد تم ذلك بوسائل عدة، منها: إيجاد الضد النوعي، وإنشاب معارك داخلية، وتغليب البعد الطائفي على البعد الوطني، والطَرق على نواة المقاومة الصلبة بمقامع السياسة والمناورات؛ تعويضًا عن فشل الاستراتيجيات العسكرية على الأرض.

شبهة (التفرق):

كانت المشكلة أو التشخيص كما يقول بعضهم: “إنكم متفرقون، أو مشكلتكم- أنكم متفرقون”. ويقصدون بالتفرق هنا أن العراقيين مختلفين: فئويًا، وعرقيًا، وسياسيًا، ودينيًا.

وكلنا يعلم بأن هذا قد حصل بعد الاحتلال؛ فقد جاء الغزو والاحتلال بعد أن مُهِّد لهما ببث كل ما يعمل على إحياء النعرات ونشر الاختلافات، وفي مقدمة ذلك: قسمة العراق طائفيًا وعرقيًا؛ فالمحتل هو الذي هدم مؤسسات الدولة، وأسس لنظام المحاصّة الطائفية والعرقية؛ فلماذا لا تُنسبون موضوع التقسيم أو الانقسام والاختلاف إليه؟.

بل وصل الأمر ببعضهم -في هذا السياق- إلى استنكار ما لا ينكر؛ بحديثهم عن أن القوى المناهضة للاحتلال منقسمة بين مقاومة مسلحة وغير مسلحة، وهذه مفارقة؛ فحتى هذه عدّوها أمرًا معيبًا؟!.

وهنا أطرح سؤالًا: لماذا يركز على حالة الافتراق في العراق فقط، ويقال: هي المشكلة؟ ولا يلتفت لهذه الحالة في مجمل بلادنا؟ الهدف –بالنسبة لي- معروف: فمنهم من لا يجرؤ على القول: إن المشكلة هي الاحتلال، ومنهم من يجرؤ؛ ولكنه لا يقول ذلك مراعاة لأوضاع سياسية.

شماعة الإرهاب:

في عام (2005م)، عندما اقتنع العرب والنظام الإقليمي والدولي -أو طلب منهم- بضرورة عقد مؤتمر لبحث موضوع العراق؛ فكان مؤتمر القاهرة، الذي جمع بين القوى الحاكمة في العراق والقوى المناهضة للاحتلال؛ وخرجوا لنا فيه بشماعة (الإرهاب)، التي اتخذها بعضهم حجة لتغيير مواقفهم أو لتبرير تقصيرهم، ومن ثم للانقلاب على توصيات المؤتمر.

وفي مؤتمر أنقرة (2017م) الذي دعيت له قوى سياسية كثيرة في العراق، وكان ممن وجهت لهم الدعوة (هيئة علماء المسلمين) التي حضرت المؤتمر بعد أن تعهد لها المنظمون من ممثلي بعض الدول العربية، ببحث القضية العراقية كلًا وليس أجزاءًا وتفاريق -كما هي عادتهم-؛ وإذا بكلمات هذه الدول تركز على هذه النقطة –نقطة التفرُّق وعدم الوحدة-؛ وتبارى المتحدثون في تحديد المشكلة من وجهة نظرهم؛ وهي تحميل العراقيين السبب في ذلك ومعاتبتهم عليه بشدة، بقولهم: المشكلة فيكم أنتم أيها العراقيون؛ لأنكم مختلفون، وأنتم باختلافكم هذا فسحتم المجال للإرهاب؟!.

وكان جوابنا لهم واضحًا وصريحًا: لماذا تقفزون على المشكلة؟ ما هو المتغير الرئيس الذي جرى في العام (2003م)؟ أليس هو الغزو والاحتلال، الذي كان هو المشكلة الكبرى التي فتحت الباب على مصراعيه لكل المشاكل بعد ذلك، وفي مقدمتها (الإرهاب)؟! .

وقد أصدرت الهيئة وقتها تصريحًا صحفيًا مطولًا بشأن ما جرى في هذا المؤتمر، ذكرت فيه تفاصيل كثيرة، وشرحت ردها الذي سُرد في المؤتمر قبل انسحاب وفدها منه.

إيران وأمريكا:

دأبت بعض الدول العربية في سنوات متقدمة من عمر الاحتلال على محاولة إقناعنا بأن المشكلة في العراق هي مع إيران؛ طمعًا في أن ننسى موضوع أمريكا وننشغل بإيران بدلًا عنها. وللأسف وجدت هذه الفكرة قبولًا عند بعض العراقيين.

ولم تنطل هذه الخدعة على كثيرين؛ فأمريكا وإيران كلاهما عدو، وقد تعاملنا مع هذه القضية بهذه الموازنة منذ البداية، وكنا نعي منذ الساعة الأولى للاحتلال: أن إيران شريكة في احتلال العراق، قبل أن ينتبه لذلك كثيرون، وقد عانينا في إقناع كثيرين بهذه الحقيقة، وكنا نتصرف في ضوئها، مع قناعتنا التامة بأن لكل مرحلة زمانية ومكانية تقديرها الخاص بها.

تحديد المشكلة:

مشكلتنا في العراق تحددها العوامل الموضوعية، التي ألـمّت بالعراق والعراقيين بعد الغزو الأمريكي البريطاني عام (2003م). وللأسف، عمل بعضهم -إلى حد كبير- على محاولة بعثرة الصورة الكاملة؛ كي لا يعرف العراقي مشكلته الحقيقة، وهي الاحتلال، ومن تعاون مع الاحتلال وشاركه في غزوه، وتوابع الاحتلال.

وقد نتجت عن الحقيقة أعلاه حالة فريدة؛ حيث لا توجد مشكلة واحدة في العراق؛ فالأمريكي مشكلة، والإيراني مشكلة، والصهيوني مشكلة، والنظام السياسي القائم مشكلة، والغياب الرسمي العربي والإسلامي مشكلة.

والسبب في ذلك كله: أن العدو في العراق هي أمريكا، وليست روسيا مثلًا أو الكيان الصهيوني وحده، أو إيران وحدها، أو نظام حكم بعينه.. هذا هو الفرق: أمريكا هي العدو في العراق، فهل ستسمح الإدارة الأمريكية لأحد بالتصدي لها والوقوف أمامها في العراق؟!.

هذه هي المشكلة وجوهرها، الذي طالما تحدثنا عنه في كثير من المناسبات والفرص، التي كانت متاحة لنا: إن مشكلة العراق متعددة الرؤوس، ما بين احتلال أمريكي بريطاني، وهيمنة إيرانية، وعدم فاعلية من النظام الرسمي العربي.

وهذا التوصيف للمشكلة؛ يقتضي بأن يكون الحل في العراق: حلًا مختلفًا، وشاملًا؛ ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بعد انتهاء ملفات ومشاكل عدة في المنطقة.

الشجرة والغربان:

أذكر مثلًا دالًا ومعبرًا عما نمر به في العراق؛ حيث سُئل الوالد -رحمه الله- مرة عن هذا الموضوع (أمريكا أو إيران؟) فقال: لو كانت هناك شجرة عليها غربان كثيرة؛ فهل تطلق النار عليها وينفد عتادك، ثم تأتي غربان أخرى فتحل محلها، وتكون كأنك ما فعلت شيئًا؛ أو تقطع الشجرة وتتخلص من الغربان جميعًا؟.

هذه هي النظرة التي ركنت إليها القوى المناهضة للاحتلال؛ ولكن للأسف يحاولون حرفنا عنها، وعن حقيقة: أن الأصل في مشكلة العراق هو الاحتلال، والنظام السياسي القائم، وعمليته السياسية.

الاعتراف الأمريكي المتأخر:

قبل سنة ونصف فقط، أقر تقرير أمريكي لمجموعة سياسية عاملة على مراجعة الواقع العراقي -وصلتنا في الهيئة خلاصة عنه- بحقيقة سبب فشلهم السياسي في العراق، وأن استشراف القوى غير المشاركة في العملية السياسية كان صحيحًا في هذه الموضوع، وأنه لا بد من إعادة النظر في العملية السياسية الـمُهيمَن عليها إيرانيًا.

إنه: اعتراف أمريكي واضح وصريح، صادر عن إحدى الدوائر المهمة في صناعة القرار السياسي الأمريكي فيما يتعلق بمنطقتنا، وقد أخّرت ذكره عمدًا؛ ليأتي في موضعه المناسب من حديثنا هذه الليلة.

وهكذا -للأسف- بعد أن بلغ الجهد بالأنظمة العربية والإقليمية، والأصوات والأقلام التي تحاول الإلهاء والتشتيت وتوزيع الاتهامات هنا وهناك، والزعم بأن المشكلة في العراق ليست في أمريكا وليست في النظام السياسي الذي أوجد بعد الاحتلال؛ يأتي الراعي الأمريكي -الذي كان جميع من تقدم يتحاشون ذكر الأسباب الحقيقية خوفًا منه أو مراعاة له، أو بطلب منه- ويعترف بجانب من الحقيقة الـمُرة، ويبدأ بمراجعة أخطائه في العراق التي تسببت بما وصلنا إليه!!.

(*) الخميس: 16/1/2025م

(**) مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق

Similar Posts