المخدرات أداة خبيثة بأيدي العابثين لتهديم المجتمع العراقي
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
يعتبر موضوع المخدرات في غاية الأهمية لأسباب تتعلق بحياة المجتمع وهي من المواد المضرة بالحياة والصحة وتؤثر على ديمومة واستمرار فعالية الانسان ومقدار تلمس دوره الريادي في تقدم مجتمعه وارتقائه بالمسؤولية الملقاة عليه في حفظ أسس وضوابط الحياة الاجتماعية ، وتعتبر المخدرات من المواد المحرمة والخطرة والمؤثرة على طبيعة الانسان وتجذره في المجتمع المنتمي إليه لهذا فقد جرمها القانون ورصد لها فقرات ومواد قانونية قاسية تصل إلى حد الاعدام لتقويض عمل التجار من التداول والمتاجرة ونقل المخدرات وحماية المواطن من أثارها الجسيمة التي تتعلق بحياته وانضباطه وسلوكه المجتمعي ، وتصل عقوبات الاتجار بالمواد المخدرة في القانون العراقي إلى الاعدام ، أما بالنسبة إلى متعاطي المخدرات فتصل العقوبة إلى السجن لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات وغرامة مالية لا تقل عن خمسة ملايين دينار عراقي ولا تزيد عن عشرة ملايين ، وللمحكمة بدلا من فرض العقوبة المنصوص عليها في القانون أن تودع من يثبت إدمانه في المؤسسات العلاجية أو مراجعة عيادات نفسية واجتماعية .
أصبحت عملية ارتفاع وتفاقم خطر انتشار تداول المخدرات ومعدلات التعاطي والادمان بين شرائح المجتمع العراقي والمتاجرة بها عبر شبكات ودوائر عديدة وبشخوص متنفذة ترتبط بشخصيات وأحزاب سياسية ومليشيات مسلحة متنفذة في المشهد العام داخل العراق من أكبر التحديات التي تواجه حكومة بغداد بسبب اتساع المشاكل والأزمات الأمنية والاقتصادية وسطوة المليشيات وحيازتها للأسلحة وتمتعها بالنفوذ السياسي وتأثيرها على الواقع الأمني وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الامريكي على مواجهتها والتصدي لها، خاصة بعد أن أصبح العراق سوقا رائجا لمختلف أنواع المخدرات ولم يعد ممرا فقط لنقل المواد المخدرة وتهريبها عبر الحدود المشتركة إلى بلدان عربية مجاورة بواسطة ثلة من المتعاونين والوسطاء والتجار الذين يمتلكون علاقات واسعة مع سياسيين متنفذين وشخصيات خارج العراق لديها السطوة والنفوذ ما يجعلها تستخدم قوتها وتأثيرها في المتاجرة استهداف المجتمع وتحقيق الأرباح المالية الكبيرة على حساب حياة المواطنين.
ويصل إلى العراق سنويا (30) مليون حبة من نوع (الكبتاغون) عبر المنافذ الحدودية والبحرية المشتركة مع ايران ويقدر ثمنها ب(60) مليون دولار ومن أخطر الانواع المتداولة في البلاد والتي أصبحت تنتج محليا أيضا هي حبوب (الكريستال) التي تؤدي إلى تدمير جهاز المناعة لدى الانسان المتعاطي لها وتؤدي به للوفاة بسبب توقف القلب والفشل الكلوي والهبوط في الوزن العام للجسم ، وأصبحت منطقة الحدود المشتركة ممرا مهما لعمل وفعالية التجار وتقوم عصابات متدربة ايرانية أفغانية باكستانية بنقل هذه المواد المخدرة إلى العراق وبعده لدول الخليج العربي وتطور الحال ليصبح العراق ممرا لنقل المخدرات إلى تركيا ودول أوروبا الشرقية وبجميع أنواعها ، كل هذا يشكل انعكاسا خطيرا لطبيعة الأحداث التي رافقت وعكست نتائج احتلال العراق، وهذا ما حصل للعراق عند اجتياح القوات الأمريكية وغزوها واحتلالها البلاد في التاسع من نيسان 2003 التي كانت البداية للعديد من الأزمات المجتمعية في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأثرت بشكل فعال وميداني على طبيعة وسلوك المجتمع العراقي وأفرزت العديد من المظاهر الغريبة على تصرفات أبناء الشعب العراقي وأوجدت الوسائل والأدوات التي تحقق لها أهدافها ومراحل سياستها العدوانية والتسلطية والمنفعية بتكبيل البلاد بأزمات اجتماعية أصبحت ظاهرة يعاني منها المواطن وتؤرق وضعه النفسي والانساني وكانت من أكثرها فتكا وتأثيرا في حياة المواطنين هي مشكلة انتشار المخدرات وتعاطيها والمتاجرة بها داخل الأراضي العراقية ووصلت إلى نسب وحدود عالية مهددة بنيان المجتمع وقيمه وأخلاقه ، وتعتبر نتيجة حتمية وسياسة واقعية للتوجهات العداونية للمحتل الأمريكي الذي سبب انفلاتا أمنيا وخرابا اقتصاديا وضعفا في المواجهة الميدانية للعديد من المشاكل التي تواجه الشعب العراقي ومنها عملية عدم السيطرة على حركة وانضباط الحدود العراقية مع الدول المجاورة له وتحديدا ايران ، ولهذا نلمس ونرى حجم المتاجرة بالمخدرات عبر الحدود العراقية الإيرانية وأصبحت ظاهرة بل أزمة أخلاقية يعاني منها المجتمع العراقي وخاصة في المحافظات الوسطى والجنوبية ومدينة بغداد وأخذت تهدده في بنيانه وحياته وقيمه والتزاماته الدينية والاجتماعية .
أصبحت تجارة المخدرات من أهم المشاكل التي تواجه المجتمع العراقي تستهدف القيم الروحية والأخلاق التي يتسم بها أبناء الشعب وتساهم في إهدار الصحة العامة للإنسان وتدمير الأفراد والأسر وتزيد من معدلات الجريمة والعنف وتعتبر مفتاح لجرائم السرقة والقتل والاعتداء إضافة إلى تأثيراتها النفسية والعقلية والبدنية والصحية.
وتنتشر المخدرات وتباع في المناطق الفقيرة في بغداد ومحافظات العراق الأخرى وفي المناطق التي تعاني نسب بطالة وعوز عالية، فقد وصلت نسبة العاطلين وحسب ما أعلنته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى 4 مليون عاطل وأكدته وزارة التخطيط بوجود 14٪ من الشباب العاطل في العراق.
ويأتي إعلان المديرية العامة لشؤون المخدرات في العراق في الرابع عشر من تموز 2023 عن تفكيك “شبكة دولية للمتاجرة بالمخدرات وتوقيف ثلاثة من أعضائها وضبط مليوني حبة مخدرة من نوع
’كبتاغون‘ في محافظة المثنى، ليؤكد حقيقية ميدانية واقعية بان العراق أصبح بلدا ليس لمرور المخدرات وإنما لصنعها والترويج لها وتعاطيها، بعد أن كان الكريستال والحشيش يهربان للعراق من أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية وحبوب الكبتاغون من قبرص عبر سوريا.
وأعلنت وزارة الداخلية يوم الأحد الموافق 16 تموز 2023 أنها ضبطت في جنوب البلاد مصنعاً لإنتاج الـ”كبتاغون”، في سابقة من نوعها ببلد أصبح خلال الأعوام الأخيرة ممراً لتهريب هذه الحبوب المخدرة.
وأقر مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية سعد معن في فيديو قصير نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، “اليوم ربما للمرة الأولى يتم ضبط معمل لصناعة المواد المخدرة وبخاصة الـ ’كبتاغون‘”. وإن المصنع المضبوط يقع في محافظة المثنى الجنوبية الحدودية.
وأوضح البيان أن “المعمل معد لتصنيع حبوب الـ ’كبتاغون‘ المخدرة مع مواد أولية تقدر بـ 27.5 كيلوغرام مع الأختام الخاصة بالحبوب المخدرة.
كلما كان المجتمع ناضجا واعيا مقتدرا مدركا للمخاطر التي تحيط به عاملا على التصدي لها ومكافحتها وعدم الرضوخ لها، كانت النتائج الميدانية أكثر ألقا وزهوا وحضورا وتساعد على تكوين مجتمع منتج فعال يساهم في بناء بلده ويكون مثالا في العمل الجمعي والتطلع لخدمة الانسانية وتقديم المهارات العلمية للعطاء الميداني في ساحات العمل والانتاج وتحديد مديات الأخذ بأدوات البناء والتطوير وصولا إلى الغاية المثلى في بناء الانسان الذي يعتبر هدفا رئيسيا في اعداد المجتمعات واستمرار تقدمها ورقيها