هجرة العقول العلمية…الأسباب والنتائج
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
تأتي أهمية رعاية العقول النيرة والشخصيات العلمية والذوات الإبداعية لتكون ركيزة من الركائز المهمة في تطوير وتقدم المنظومة العلمية والثقافية في أي بلد من بلدان العالم وتساهم في رفع مستوى العلم والمعرفة في الأوساط المجتمعية وتحافظ على امتداد وانتشار مبادئ البحث العلمي والتقني ورعاية الأفكار المشعة الساعية إلى بذر حالة الإدراك والوعي لدى الشباب المتعلم المبدع والمساهمة في تقديم جميع انواع الدعم والمساندة التي تمثل حالة الرقي والنهوض العلمي الذي تبغيه الدول المتقدمة والمجتمعات الراقية ، وهي من الأسس الإيجابية التي تمثل طبيعة التوجه الصحيح لمؤسسات الدولة ومنظوماتها العاملة وتعكس الإرادة الحقيقية لدى أركان الدولة لتواكب حركة التقدم والازدهار وميادين الفكر الإنساني وتكون إحدى المحطات الرئيسية في حياة الشعوب الحرة الساعية إلى بناء مجتمع حضاري متماسك ذو طبيعة إنسانية راقية يتمثل في الانسجام والتوافق الروحي بين جميع مكوناته ، وعندما تسعى الجهات المسؤولة عن رعاية مبادئ العلم ومساندة ميادين المعرفة نكون أمام حالة من الرقي والارتقاء بالمستوى العام للمؤسسات الثقافية والأدبية والفكرية توازيها في ذلك حلقات البحث العلمي والمراكز الثقافية والإبداعية التي تكون الرافد الرئيسي في إعطاء الرؤى الميدانية والأفكار الصائبة لمعالجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإيجاد الحلول الجذرية لها من خلال المسح البياني واللقاءات الميدانية والفهم الإيجابي لمعطيات المجتمع وإدراك حقيقة الأهداف والغايات المتحققة من أجل الوصول إلى نتائج تفضي إلى آراء دقيقة ومقترحات إيجابية ونقاط مهمة لتدارك أي من الأزمات التي تمر بها البلاد عبر الاستماع إلى المقترحات البناءة والأفكار الرائدة التي تنسجم وطبيعة الحالة التي يعيشها أبناء المجتمع.
وهنا تبرز الأهمية البالغة في الحفاظ على العقول النيرة وتقديم جميع التسهيلات وتسخير الإمكانيات التي تساهم في تقديم جميع المستلزمات التي تساعد في تحقيق الغرض العلمي والثقافي من أجل الغايات السامية ولا يتحقق هذا التوجه إلا بوجود هيكلية تنظيمية راقية تأخذ على عاتقها احترام القيم العليا والرؤى العلمية التي تتصف بها العقول المحلية وإيجاد المحفزات الداعمة لها والحفاظ عليها باعتبارها تشكل ثروة وطنية أصيلة ومنبع فكري كبير يعكس معدن الانتماء الأصيل لتراب الوطن والالتحام الوجداني من أجل تعزيز مسيرة العلم والمعرفة في البلدان التي تنتمي إليها هذه العقول ذات الأفكار والمبادئ السامية والأهداف العالية .
العراق ومنذ الاحتلال الأمريكي لأراضيه في التاسع من نيسان عام 2003 شهد ظاهرة خطيرة وكبيرة هي هجرة العقول العلمية والشخصيات الفكرية والقامات الثقافية والرموز الاجتماعية نتيجة الأوضاع السيئة وما الت اليه نتائج الاحتلال والأساليب العدوانية التي اتبعتها أدوات الاحتلال وساهمت في تغيب العقل والفكر العراقي بل أدت إلى ظهور منظمات وادوات إرهابية سعت إلى اغتيال الكفاءات العلمية والشخصيات البارزة في المجتمع العراقي واستهدفت وجودهم وأرواحهم مما حدى بالكثير منهم إلى مغادرة البلاد بهجرة إجبارية وليست طوعية ، وهنا يمكن لنا أخي القارئ الكريم أن نستعرض مفهوم حقيقي وتعريف ميداني يخص المهاجر وهو ( أي شخص يتنقل من مكان إقامته إلى مكان آخر داخل دولته وخارجها عبر الحدود الدولية وبغض النظر عن حالته القانونية أو مدة إقامته في المكان الجديد او الأسباب والعوامل التي دفعته للهجرة او اذا كانت هجرته كونية أو تمت بشكل قسري ) ، فالمهاجر هو إنسان يسعى للبحث عن حالتي الأمان والسلام بعيدا عن الصراعات العرقية والطائفية والاغتيالات السياسية والظروف الاستثنائية التي تمر بها بلاده والتي فرضتها عدة عوامل داخلية وخارجية .
يمكن أن نحدد أسباب عديدة تستخدم بظاهرة الهجرة وهي تندرج في نقاط محددة منها أسباب سياسية تتعلق بفقدان الاستقرار العام في البلاد من جميع النواحي وحالة الاحباط التي يعيشها الإنسان المبدع والتي يراها في استلام من هم أقل كفاءة منه ميادين العمل والتخطيط في المراكز العلمية واغلب التعينات تاتي تحت مسميات المحاصصة السياسية والطائفية والحزبية ولا تتوفر أي فرصة لشخص بعيد عن هذه المسميات رغم ما يتصف به من كفاءة وعلم ومعرفة في اختصاصه العلمي والفكري والثقافي وهي إحدى الأدوات التي تتبناها بعض الهيئات الدولية والإقليمية لإفراغ العراق من عقوله وكفاءاته العلمية وإضعاف الجبهة الداخلية وإبقاء البلاد في حالة من التخلف والضياع ، وهناك سبب رئيسي أيضا مؤثر يتعلق بظاهرة البطالة بين الشباب المتعلم المثقف الواعي وعدم وجود آليات لتعين هذه الكفاءات بصورة صحيحة بحث بلغت نسبة البطالة داخل المجتمع العراق 25% ونسبة الفقر وصلت إلى 32% وبسبب هذه الأوضاع نلمس الظرف الطارئ الذي يجعل من الكادر العلمي أن تكون وجهته نحو الخارج، ويبقى الهاجس الأمني فاعلا في الخوف من استهداف العقول النيرة والكفاءات الكبيرة ضمن خطة ممنهجة ودراسة معدة من قبل الجهات المعادية للعراق .
أدت ظروف الاحتلال الأمريكي للعراق والوجود والنفوذ الإيراني إلى تغيير كثير من الأوضاع الداخلية ومنها استهداف حلقة العلم وأدوات المعرفة وهجرة العقول المحلية التي تعتبر ثروة قومية وطنية إلى خارج البلاد واستنزاف واضح للكفاءات العلمية وفقدان المحفزات لها في البقاء والمشاركة بالنهوض الحضاري وتقديم كل مستلزمات التوعية والمعرفة لأبناء الشعب العراقي لكي يبقى عراق الحضارات في أتون التخلف والجهل ويبتعد عن مظاهر التقدم والازدهار الذي يشهده العالم في كافة الميادين بعد أن كان العراق مركز الاشعاع الفكري والحضاري للعالم والقاعدة الرصينة في انتشار مبادئ القانون والعلم والفكر الإنساني والدراسات العلمية والمعرفية ، فقد تركت بصمات الاحتلال وأدواته على جميع أطراف المجتمع إلى إضعاف بنيته التحتية واستهداف ثرواته الطبيعة وسرقة أمواله العامة ، والعراق معروف بامتلاكه لثروة كبيرة من الأراضي الزراعية ووجود النهرين الخالدين والموقع الجغرافي الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي فهو كنز من الثروات والمصادر البشرية والطبيعية ولهذه الأسباب ابتعد العراق بعد الاحتلال الأمريكي عن النشاط الصناعي والتجاري وإقامة المشاريع الإستراتيجية والمعامل الإنتاجية وأصبح اعتماده على الاقتصاد الريعي والواردات المالية من تصدير النفط.
أصبحت ظاهرة الهجرة العلمية حالة عامة على مستوى الوطن العربي والعراق خاصة ومعالجتها تحتاج إلى العديد من المستلزمات الفعالة والأدوات الناجحة ودفعت حقيقية وموضوعية للإحاطة بالمشكلة من جميع جوانبها وضمن دراسة استراتيجية ورؤية ميدانية وآفاق مستقبلية للتخطيط السليم الدقيق، بخسارة الأقطار العربية نتيجة هجرة العقول الفاعلة بلغت 200 مليار دولار، ويوجد مليون خبير عربي مهاجر ويشكل الأطباء العرب في القارة الأوربية ما نسبته 34% وأكثرهم من العراق ومصر وسوريا وتونس ولبنان والمغرب، ويشكل العراق 75% منهم ، ولهذه الأسباب بلغت الأوضاع التعليمية داخل العراق مراحل مؤسفة ومقلقة لميدان التطور الثقافي والعلمي وبلغت نسبة الأمية في المجتمع العراقي 13% وهذا يعني وجود 3,5 مليون مواطن عراقي اني في بلد يبلغ عدد تعداد سكانه41مليون نسمة وان الإناث اللواتي أكملت تعليمهن تبلغ 43% وهناك 22% من النساء لا يعرفن الكتابة والقراءة .
تبقى ظاهرة الهجرة عامل رئيسي يساهم في التأثير على الجانب الحضاري والتربوي في أي بلد من بلدان العالم.