أوجه الفساد الاقتصادي في العراق وآثاره على المجتمع

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تتمكن الدول والمجتمعات من الحفاظ على مكتسباتها وثرواتها ومواردها المالية عبر العديد من القوانين والتشريعات التي تسنها وتساهم في مكافحة الفساد والتصدي لشبكات ومنظومات المفسدين ومخططاتهم وافعالهم ومواجهة اذنابهم العاملين في المؤسسات الحكومية والوزارات الخدمية والساعين لتحقيق المنافع الشخصية والمكاسب المادية على حساب المواطن بتشجيع صور الفساد الإداري والاقتصادي وتوسيع دائرة الاستغلال والرشوة والمحسوبية في التعاملات اليومية أو تنفيذ المشاريع الإنتاجية والاستثمارية وعدم الموافقة على اي منها دون تحقيق الفائدة المالية واستغلال حاجة المستثمر والقائم بالأعمال الإنتاجية بشكل واسع ، وهذا يؤدي إلى إضعاف القدرة الإبداعية والعطاء والبناء والأعمار وابتعاد الخيرين من أبناء البلد الساعين لتطوير مجتمعهم وتقدم وطنهم لأنهم لا يتمكنون من مجاراة هؤلاء الفاسدين ومواجهتهم والتصدي لهم وهنا تكون الدولة وأدواتها هي المسؤولة أمام أبناء الشعب في الحفاظ على مواردهم المالية وتشجيع رؤوس الأموال وتنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى وسن القوانين ومحاسبة المقصرين واحالتهم للمحاكم القضائية المختصة لمعاقبتهم وليكونوا عبرة للآخرين وحماية المجتمع منهم ومن أساليبهم وتصرفاتهم وجشعهم   وهذا لا يتم إلا عبر أدوات فعالة وهيئات متنفذة وأساليب داعمة ولجان تفتيشية صارمة وقدرات على التنفيذ وقوة في إنزال العقوبات مهما كان الشخص الفاسد أو الجهات الداعمة له وتتحقق فيها الإرادة الحقيقة والإدارة الناجحة في الحفاظ على سلامة المجتمع وتعميق حالات الانتماء له والدفاع عن حقوق ومصالح أبناء الوطن .

ويعتبر الفساد أحد العوامل الهدامة في بناء وتطوير أي مجتمع وإضعاف لقدراته الإبداعية والذهنية والعلمية واهتمت المنظمات الدولية والمؤسسات المالية والمواجهات الاقتصادية بهذا الأمر ومنحت الكثير من وقتها في إعداد الخطط والبيانات لمواجهته والتغلب عليه عبر الوسائل والأدوات المتاحة والتي تعطي للدول القدرة على تنفيذها ، ولهذا فإن الفساد تم تعريفه بانه( استغلال موظفي الدولة لمواقع عملهم وصلاحياتهم للحصول على كسب غير مشروع أو منافع شخصية ومارب شخصية يتعذر تحقيقها بطرق مشروعة وبعبارة أخرى هو سلوك غير رسمي تفرضه ظروف معينة تتعرض له المجتمعات من حين إلى آخر وكذلك الخروج عن القانون والنظام أو استغلال غيابهما وتجاوز السياسة والأهداف المعلنة والمعتمدة من قبل السلطة السياسية وغيرها من المؤسسات الشرعية بغية تحقيق منفعة شخصية سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية للفرد أو الجماعة ) ، وهذا التعريف الواضح المعاني والقاطع بالدلائل الميدانية يعطي أبعادا شاملة لمفهوم الفساد وأدواته وعوامل تبعياته وكيفية حصوله والدوافع الأساسية الرئيسية له والتي تهدد الأمن المجتمعي وتؤثر على سياسة الدولة الاقتصادية وتستهلك مواردها المالية وتضعف منظومتها الحكومية عبر السلوك الفردي أو الجمعي لشبكات من الفساد المالي والاقتصادي.

وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء أخي القارئ الكريم واستعرضنا المراحل التي عصفت بالمجتمع العراقي الذي كان يمتلك منظومة اقتصادية عالية وخطط وبرامج تنموية فعالة وادوات إنتاجية كبيرة نرى أن المعاناة التي مرت على  أبناء الشعب العراقي كانت مراحلها الأولية وأساليبها التعسفية بعد الغزو الأمريكي للبلاد ونتائج الاحتلال الأمريكي في التاسع من  نيسان 2003 ولا تزال إحدى الأزمات العميقة التي أثرت على بنية المجتمع العراقي ومستقبل الحياة  فيه بعد أن أسس إلى مرتكزات تتعلق بطبيعة إدارة الحكم مستندة الى العديد من الأحزاب والحركات السياسية التي انتعشت وتمددت بفعل تحالفها مع المحتل وقبولها بالدخول والمشاركة في العملية السياسية التي أتت بها الإدارة الأمريكية ووضعت لبناتها وفق مصالحها وأهدافها وتطلعاتها الاستراتيجية في العراق وذهبت الى امتيازات لسياسيين وشخصيات ارتمت في أحضان المخطط السياسي الأمريكي لتكون أدوات طيعة في تنفيذ هذا المخطط بما يحقق لها منافع مادية وطموحات شخصية وإثراء على حساب أبناء الشعب العراقي بعيدا عن الانتماء الحقيقي لتربة البلد وحقوق شعبه ومستقبل أجياله، فتكون شبكة من الفاسدين الذين ساهموا في ضياع ثروات الشعب وأمعنوا في استخدام أبشع الأساليب لتحقيق ماربهم ومنافعهم المالية بحيث أصبحوا يتحكمون بسياسة البلاد اقتصاديا ويتلاعبون لموارد المالية ويسعون إلى تهريب العملة وتبييضها وتكون شبكات لتجارة المخدرات وتهريب الأموال واتباع أساليب بعيدة عن القيم والأخلاق التي يتصف بها المجتمع العراق، فكانت تصرفاتهم تنم عن سلوك منحرف عن القيم الدينية والأخلاقية وتستهدف تحقيق منافع ذاتية بطرق غير شرعية وأصبحوا يمثلون ظاهرة اجتماعية اقتصادية سياسية أضرت بالشعب العراقي وساهمت في إضعاف دوره الاقتصادي الداخلي في الاعمار  وتشيد البنى التحتية وإقامة المصانع والمعامل وتشيد الجسور والمستشفيات والمراكز الصحية والتعليمية وإنشاء الطرق الرئيسية وزيادة فاعلية القطاع العام والخاص في عملية التنمية البشرية وإعداد الكوادر العلمية والبحثية.

 وأمام هذه  الحقيقة المؤلمة والواقع المأساوي تكونت صورة أعطت أبعادا واضحة  للميدان الاقتصادي والسياسي في المشهد العراقي العام تمثل  بالمعطيات والأدوات التي  تتحكم فيه والوسائل والشخصيات الداعمة له والتي   همها الاستفادة المالية والمنفعة الفئوية على حساب الشعب ومقدراته والتلاعب بمستقبله وحياة أبنائه، وهذا المتحقق في عمليات الفساد الاقتصادي التي تطال المجتمع العراقي وعبر العديد من الأحداث والوقائع التي  ساهمت في وصول البلاد إلى نسب من البطالة في وسط الشباب بلغت 20% والتي كانت من نتائجها أن عانى المجتمع العراقي من نسبة الفقر التي وصلت إلى 25% ثم الابتعاد عن الإتمام الواسع بتعليم الأبناء للقراءة والكتابة فأصبح المحرومون من التعليم المبكر يقدرون بنسبة 90% وهذه النسبة تساهم في عملية تجهيل المجتمع في خطوات متقدمة لإنهاك البلاد وإبعادها عن الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة وبناء وإنشاء المشاريع الاستراتيجية وتعزيز  التنمية الاجتماعية والاقتصادية في وقت وصلت فيه إيرادات الدولة العراقية المالية  إلى 90مليار دولار من حجم الاحتياط النقدي لعام 2022 وارتفعت قدرة العراق من احتياطي العملة الصعبة إلى 70مليار دولار في شهر نيسان من هذا العام بسبب ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية، ولكن ورغم هذه الأرقام والنسب المالية لم تؤد إلى انتعاش الوضع الاقتصادي وارتفاع القدرة الشرائية للمواطن العراقي وحصر نسبة الفقر في المجتمع ومعالجة انتشار العشوائيات في عموم البلد بسبب عدم قدرة الحكومة العراقية والتي سبقتها من الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي على إيجاد خطوات وبرامج لخطة انفجارية اقتصادية واسعة تستثمر ثروات البلاد ومواردها من الطاقة للنهوض بالبلاد نحو الرقي والتقدم والازدهار وإنهاء الوضع المادي وتحسين الحالة المعاشية لأبناء الشعب العراقي وهذا يعود لأسباب جوهرية اعتمدت بعد وضع الدستور وتنفيذ العملية السياسية التي قامت على أسس غريبة على المجتمع العراقي ثمثلت بالتوافقات السياسية والمحاصصة الطائفية التي أثقلت كاهل المواطن وأصبحت تشكل عبئا عليه لأنها لم تراع حقوق المواطنة والعقول الفعالة والمنتجة والشباب الخريج من الجامعات والمعاهد العليا بل اعتمدت صيغ المحسوبية والانتماء السياسي لأحزاب السلطة في توفير الوظائف والتعليمات لمن ينتمي إليهم إضافة إلى سطوة المليشيات والفصائل المسلحة على العديد من المشاريع الإنتاجية والتحكم بإحالتها إلى عناصرها وبعض من قياداتها  في غياب الدور الحكومي والسيطرة المركزية على عمل المؤسسات والوزارات والدوائر الحكومية.

وعندما نطالع  التصريح الرسمي الذي قدمته هيئة الاستثمار الوطنية العراقية الذي نشر بتاريخ 15 آذار 2021 ندرك حقيقة الوضع المأساوي للاقتصاد العراقي وفقدان الآليات والأدوات التي تساهم في الحفاظ على المال العام ومتابعة المشاريع المنجزة ، فقد كشفت الهيئة عن وجود (1770) مشروعا وهميا ومتلكئا في العراق وأوضحت أن المشاريع المنجزة أو تحت الإنجاز لا تتعدى ( 500) مشروع وأن الإجازات الاستثمارية الممنوحة هي (2400) إجازة وبإحصائية عددية أقرت هيئة الاستثمار وجود(970) مشروعا وهميا غير منجز و(800) مشروع متلكئ وهو مؤشر خطير وواقعي لطبيعة إدارة الملف الاقتصادي في العراق لأن الأرقام والأعداد صادرة من مؤسسة اقتصادية تعنى بالمشاريع التنموية في جميع المجالات الميدانية منها الزراعية والصناعية والتجارية وتؤكد حقيقة العجز المالي الذي يعانيه البلد والمقدر بمبلغ (50) مليار دولار حسب ميزانية 2021 مع ارتفاع مديونية العراق إلى (168) مليار دولار وربط الاقتصاد الوطني بالعديد من القروض المالية الممنوحة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وليكون البلد تحت الوصاية والادارة الفعلية لتوجهات هاتين المؤسستين وأهدافهما في الهيمنة والسيطرة وتوجيه السياسية المالية والمصرفية في العراق .

يبقى الفساد المالي أحد الإشكالات التي يعاني منها أبناء الشعب العراقي حيث النسب الكبيرة في هدر المليارات من الأموال التي تذهب للفاسدين و تمثل أحد أعمدة الاقتصاد العراقي ومنظومته المالية مع ازدياد في عمليات تهريب الأموال من قبل بعض الشخصيات السياسية والحزبية المتنفذة والتي تبلغ (350)مليار دولار خلال عقدين من الزمن وصدرت بحقهم أحكام قضائية غيابية في أغلبها ولكن لحد الآن لم يتم إعادة الأموال المهربة مع عدم وجود قناعة راسخة لأبناء الشعب العراقي في رفع شعار مكافحة الفساد من قبل السياسيين والحكومة العراقية بفعل ضعف المتابعة وإحالة بعض القضايا للمحاكم القضائية ولكن دون جدوى تحقق الغرض الرئيسي في الحفاظ على المال العام وحماية الاقتصاد الوطني.

Similar Posts