ميليشيات الحشد.. والوصاية الأمريكية – الإيرانية

بقلم : جهاد بشير

ربما مرّت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال التاسعة في بغداد أثناء زيارته ما تسمى “هيئة الحشد الشعبي” بذريعة الذكرى السادسة لتأسيس ميليشيات الحشد، مرورًا عاديًا في الأوساط السياسية وفي باحات ذوي الرأي والتحليل ورصد مستجدات المشهد العراقي، كونها لم تكن ذات نمط جديد في التوصيف أو الإقرار، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى وقفة تذكير – على أقل تقدير – تحقق حالة من إنعاش الذاكرة، وتهدف إلى إيضاح جملة من المفاهيم وتصحيحها نحو الوجهة المعتبرة التي ينبغي أن تكون عليها.

ومن الأمور التي يراد لها التفشي لتكون مطبًا أمام النظر في إيجاد حل ناجع للمشكلة العراقية؛ أن يجد صاحب الرأي المناهض للنظام السياسي القائم في البلاد نفسه مضطرًا إلى إعادة توجيه الأذهان نحو مُسلّمات من المفترض تجاوزها نظرًا لكونها من بدهيات المشهد، لكن إرادات مقصودة تريد دائمًا حصر العراقيين ومن يقف إلى جانبهم في زوايا مخصوصة تبقيهم في حالة من الجدل غير المفضي إلى نتاج حينما تضطر النخب إلى العودة دائمًا لإيضاح ما هو واضح ابتداءً.

السوداني الذي قال: إن “الحشد بات يشكل ركنًا أساسًا من أركان المؤسسة الأمنية العسكرية”، يحاول التغاضي عن حقيقة كون المؤسسة الأمنية في العراق بعد احتلاله ولا سيما قوّات الجيش؛ تقوم على الميليشيات التي تتبع أحزاب السلطة وتعمل تحت وصاية القوتين الدولية والإقليمية – الولايات المتحدة وإيران – اللتين تتحكمان في العملية السياسية على أساس التخادم وتبادل المصالح.

وإشادة السوداني بعمل الميليشيات التي زعم أنها واجهت ما أسماها “المشاريع الطائفية المتطرفة”، ليست سوى محاولة تسويق فاشلة لبطولات وهمية وإنجازات يصادق جميع العراقيين على اختلاف مكوناتهم على انعدام وجودها وخلو الساحة العراقية منها، إلا ما يتعلق بجرائم القتل والتهجير الممنهجة وجرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها بثوب طائفي بحق أهالي المحافظات والمدن التي طالتها العمليات العسكرية.

الحديث الحكومي عن تصدي الميليشيات لـ “إرهاب طائفي” هو نمط مفعم بالتفاهة لقلب الحقائق أو تحريفها والانعطاف بها عن مسارها الصحيح؛ فميليشيات الحشد وما يتصل بها من شخصيات وأحزاب وبرامج سياسية وأمنية؛ ولدت من رحم الطائفية، ولم تجد لنفسها طريقًا غيرها لتسلكه، بل إن منهجيتها بغير الاتكاء على الخطاب والسلوك الطائفي لا تحقق لها شيئًا من مقاصدها التي هي في النهاية تغذي مشروع الاحتلال الذي أسس النظام على هذه الشاكلة، ومآربه من ذلك لا تخفى على أحد.

لم تقف تصريحات رئيس حكومة الاحتلال التاسعة عند هذا الحد؛ فالخطاب الشعبوي الذي أدلى به شهد ترويجًا لـ”شركة المهندس” التابعة لميليشيات الحشد والمتورطة بجرائم الفساد بكافة أشكاله وصوره، والتي تعد خطوة متطورة لمشروع المكاتب الاقتصادية حينما سارعت الميليشيات إلى تكوينها بعد احتلالها المدن وفرض سطوتها عليها عقب مزاعم توقف العمليات العسكرية، وأخذت تسرق من خلالها كافة مقدرات العراقيين وأموالهم وتستولي على ممتلكاتهم، فضلاً عن استيلائها على المال العام وممتلكات الدولة والأوقاف.

هذه التصريحات على قدر ما هي مدانة ومستنكرة؛ فهي ليست بمستغربة الصدور عن رئيس حكومة شكلها الإطار التنسيقي -الإيراني في هويته وفكره ومساراته السياسية والأمنية والاقتصادية -والذي يقوم عماده على ميليشيات طائفية وأحزاب سلطوية ذات منهجية قمعية بوسائل ديكتاتورية لم ينج منها حتى شركاؤه في النظام السياسي.

إذا أراد من يرصد المشهد العراقي عن كثب، ويقدم تحليلاته بناءً على انحيازه المشروع للعراق وأهله؛ يُلزم نفسه أن يكون مؤتمنًا في شهادته على حقبة من تأريخ العراق؛ فإن أولى خطواته في هذا السياق تذكير العراقيين بأن ميليشيات الحشد التي ما انفكت تتحرك بمظلة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وترضخ للرغبة الإيرانية ذات الأطماع التوسعية ليس في العراق فقط بل في المنطقة كلها؛ تتحمل مسؤوليات: شرعية وقانونية وأخلاقية وتأريخية، وفي رقاب قادتها وأفرادها والأحزاب السياسية والحكومات التي تعاقبت في دعمها؛ ما يستوجب القصاص العادل والجزاء الوفاق؛ جرّاء ما اقترفته بحق العراقيين من جرائم وانتهاكات، وسرقات وتهجير، وتغيير ديموغرافي، وإفساد في الأرض بكل ما تحمله الكلمة من معنى ودلالة، والله غالب على أمره.

Similar Posts