في الذكرى السابعة لرحيله (الحارث) الذي جسد معاني الجبل
بقلم : د. رافع الفلاحي
في الأوقات الصعبة، وفي أوقات المحن .. تتطلع عيون الناس بإشارات صحيحة من عقولهم وقلوبهم، إلى (النماذج والرموز) التي يمكن أن يلوذوا بها ويستندوا في ظهورهم إليها، فتمنحهم القدرة أولا على الرؤية الصحيحة رغم الغشاوة وتداخل الخنادق والالتباس، وتبث في نفوسهم العزيمة على المقاومة والبقاء والاستمرار مهما كان حجم الصعاب، والتفاؤل الواعي بأن القادم سيكون أفضل رغم بشاعة الحاضر وانغلاق الآفاق.وبرغم أن هذه (النماذج والرموز) العالية، لم تسعَ يوما ولم تتقصد القيادة من أجل ما تنطوي عليه القيادة من تميز في المنصب والجاه والسلطة، إلا أنها قبلت بأن يلتف الناس حولها بدوافع الإيمان والمحبة ومن دون تطلعات أو أجندات تهدف إلى فرضهم أوصياء على الآخرين، لذلك لم يعلنوا في أي وقت أو مناسبة أنهم يحتكرون الصواب، وأن على الناس الملتفة حولهم أن تلتزم بوصاياهم وأن تسترشد برؤيتهم، باعتبارها الطريق الوحيد الذي يجدونه سالكا للوصول إلى الشاطئ.نستحضر كل ذلك ونحن نتحدث عن الشيخ الدكتور حارث الضاري(الأمين العام السابق لهيئة علماء المسلمين في العراق)، في ذكرى رحيله السابعة، ذلك الرجل..(الرجل) الذي شيَّد تاريخه بأحجار من التقوى والمحبة والسماحة والثبات والإصرار والمثابرة والصبر واليقين، ولم (يدَّع) يوما أنه(الوكيل الحصري) لمجموعة القيم والمبادئ الطيبة، وفي مقدمتها الصدق والمحبة والإخلاص، بل كان دائما ما يؤكد أن كل هذه القيم العالية مزروعة بشكل عفوي في عقول الناس وقلوبهم، وأنهم سيعلنون عنها بشكل صريح ويتبنون استحقاقاتها وشروطها إذا ما توفر الإطار المناسب والبنية الصحيحة لظهور تلك القيم ونموها وبالتالي حصاد تأثيرها.نحو (12)عامًا عاشها الشيخ الدكتور حارث الضاري منذ احتلال العراق حتى وفاته رحمه الله (2003-2015م) لم تستطع خلالها قوى الشر بكل إمكاناتها(المادية والبشرية) والتي أعلنت معاداتها لفكره الديني والإنساني ومنهجه الوطني والأخلاقي، أن تجره إلى طريق المحظور.. فرغم ما صنعت من قيود وما أوجدت من صعاب وفخاخ ومكائد ودسائس، كجزء من أدوات الحرب الغاشمة التي برعوا فيها.. إلا إن الشيخ الدكتور حارث الضاري، بقي راية عالية لم تنتكس وأنموذجًا يترسخ للإباء العراقي والإصرار على عدم الخضوع للباطل والتسليم لأدواته ومفاهيمه واشتراطاته، وهي المدججة بالسلاح والمال ومفاهيم القوة (التقليدية وغير التقليدية) التي سعت دولة الاحتلال (الولايات المتحدة الأمريكية) إلى توافرها خدمة لمشروعها المتقصد كسر العراق وسلبه كل مقومات قوته وكل ثرواته، وإنفاذ شروطه ومستحقاته على العراق والعراقيين.ففي مواجهة معقدة وخطيرة وكبيرة مع كل عناوين الشر وجيوشه، كان الشيخ الدكتور حارث الضاري(الأنموذج والرمز) يستحضر فقه المقاومة ومنهجه في بناء العقول والنفوس العالية التي التفت حوله وأيدت منهجه وطريقه، ومن يرصد خطابه خلال تلك السنوات سيجده (وقد شرب) تلك المعاني وتجسد فيها بصدق وثبات من غير ادعاء بالوصاية على الناس، بل كان في كل مفردات خطابه الذي يعبر عن منهج حياته، داعيًا الجميع(وقبلهم نفسه) لأن يكونوا أدوات فاعلة في ساحات العمل، فبغير العمل المخلص والدقيق والدؤوب(كما يرى) لن يتحقق شيء يستحق المناجزة والاستعداد للتضحية من أجله.وهكذا، فأن أكثر ما يلفت النظر في الحديث عن الشيخ الضاري رحمه الله .. هو أن الرجل (لم يتبن) يوما مفهوم الوصاية ولم يرفض المشاركة في أي عمل يلمس فيه خيرًا للناس، معتبرًا أن من حق الجميع الدفاع عن مواقعهم ورؤيتهم وواجهاتهم وبالتالي حتى عن راياتهم الصغيرة، من دون أن تكون بديلا عن الراية الجامعة أو أن تكون بالضد منها ..فالمهم كان عند الشيخ الدكتور الضاري أن يكون هناك إطار جامع مانع ينطوي على الخير والأمانة والوطنية ونكران الذات (ينتمي إليه الجميع بإرادة حرة وعقل منفتح)من أجل الأهداف السامية.فرغبة الإقصاء لم تقترب يوما من فكر وروح وتصرفات الشيخ الدكتور حارث الضاري، ولعل في سيرته وتعامله ومواقفه طوال أعوام حياته ومنها تلك التي عاشها في زمن الاحتلال البغيض للعراق، ما يؤكد ويرسخ تلك المفاهيم ويوضح تفاصيلها .. ولعل (أيضًا) في خطابه الإعلامي والسياسي وأحاديثه، ما يؤكد تلك المادة الرائعة التي وضعها أمام الجميع وهو يؤسس لمعادلة صحيحة وواضحة تفرق بين الاعتدال والتطرف وبين المقاومة والإذعان .. بين الحلم والحماقة وبين المعرفة والجهل وبين الدين والخرافة وبين الرزانة والسفاهة .. وبين الوطنية والعمالة.في الذكرى السابعة لرحيل الشيخ الدكتور حارث الضاري، نستحضر رؤية (الأنموذج والرمز) الذي لم تحرقه الأضواء ولم تأخذه النشوة بالتميز إلى عناوين تتسلط على الناس .. بل كان مهتما في كل تفاصيل حياته وعمله، بالبحث عن طريق تجديد الدماء في عروق الأمة والوطن، واستنهاض همة العراقيين في صراعهم ضد المحتل، وقد كان يراهم دائما الأمل في الثورة ضد الباطل وكل أدواته، فأهل العراق (كما كان يراهم) القوة الوحيدة المعول عليها في إقامة نظام جديد (بعيد عن الفساد والمفسدين والطائفيين والعملاء والأدعياء والمجرمين).رحم الله (الحارث أبا المثنى) الذي حرث وزرع وجسد بسيرته الطيبة معاني (الجبل) بكل صلابته المصنوعة بحجر المحبة والتقوى والصدق والصبر والوطنية والتسامح والتواضع.