|

مكافحة الفساد … مهمة وطنية من أجل العراق

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعمل الدول والحكومات والمؤسسات على خدمة أبناء شعبها وتحقيق الرفاهية والسعادة والعيش الكريم لهم وفق رؤية وأهداف مستقبلية تحقق غاياتهم واهدافهم في المجتمع المنشود القائم على احترام حقوق الإنسان وتطبيق العدالة الاجتماعية وتحسين المستوى المعاشي وتعزيز البنى التحتية ورسم ملامح التقدم والازدهار في بلادهم، ومن أولويات العمل الحفاظ على موارد الشعب ومصادر ثرواته وعوائده المالية التي تحقق له مستلزمات البناء والإعمار ورفع مستويات التربية والتعليم وازدهار الصناعة والزراعة ووضع أسس وركائز للتنمية المجتمعية، وبهذا فهي تسعى إلى وضع آليات ووسائل تحترم القوانين والأنظمة التي تضعها الدوائر القضائية وتساهم فيها الرقابة الحكومية عبر مؤسسات ودوائر خاصة بالحفاظ على المال العام ومنع حالات الهدر فيه ومتابعة كل ما يتعلق بتحصين العاملين في الوزارات والمؤسسات الحكومية من أي عمليات للفساد وضياع الأموال واستغلال المواقع الرسمية للمنافع والمصالح الشخصية.

انها وسائل ميدانية تساهم في وضع معايير مهمة تعمل على وضع جميع إمكانيات الدولة وبتسخير مواردها المالية في بناء المشاريع الاستراتيجية وإنشاء المصانع والمعامل الإنتاجية التي توصل البلاد إلى حالة الاكتفاء الذاتي وتحسين المنظومة الاقتصادية وتعزيز القدرة التسويقية للمواطنين من خلال الدعم المقدم للصناعة الوطنية والتنمية الزراعية التي تساهم في توفير جميع حاجياتها المواطن من المحاصيل الزراعية والقمح والشعير والفواكه والخضروات.

ولهذا فقد أعطت المنظمات الدولية أهمية بالغة في مساعدة الدول على مكافحة أوجه الفساد في مجتمعاتهم واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالعمل على متابعة شبكات الفساد وسرقة المال العام تهريب العملة واضعاف مقدرات الدولة اقتصاديًا والتأثير عليها اجتماعيًا.

ويمكن لنا اخي القارئ الكريم أن نعرف الفساد

على أنه (ذاك السلوك الغير سوي الصادر من قبل الشخص ذو المسؤولية العامة في وظيفته والذي يأخذ أنماطًا وأشكالًا مختلفة تتراوح بين استقبال وإرسال الأموال بقصد الرشوة أو ربما تكون عبارة عن هدايا تقدم في غير موضعها الصحيح علاوة على المعاملات المخفية والغير مرصودة من قبل الجهات الرقابية أو التلاعب بسير الانتخابات وتحويل الأموال وغسيلها أو الاحتيال على المستثمرين)، ويعد الفساد ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة تؤثر على جميع البلدان، لا سيما فيما يتعلق بتقويض المؤسسات الحكومية وتراجع التنمية الاقتصادية والمساهمة في عدم الاستقرار الحكومي وتشمل الآثار السلبية للفساد كل جوانب المجتمعات، حيث يتشابك بشكل كامل مع الصراعات والاضطرابات التي تهدد مستقبل التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتقوض أسس المجتمع وسيادة القانون.

ووفق لمعايير تنموية ومنظمات مجتمعية فإنها تعتبر الفساد أداة فعالة في تعميق حالة الصراع في المجتمع، بل هو أحد أسبابه الجذرية في كثير من الأحيان، لأنه بتقويضه لسيادة القانون يغذي الصراعات ويعيق عمليات إحلال النظام واحترام القوانين وتعزيز البنية التحتية للازدهار والتنمية.

وأمام هذه المعايير المجتمعية فقد أولت منظمة الأمم المتحدة اهتمامها البالغ بهذه الظاهرة واعتمدت الجمعية العامة اتفاقية دولية لمكافحة الفساد، وطلبت إلى الأمين العام أن يعين مكتبًا لها معني بمكافحة الفساد وتجارة المخدرات، والتزمت 188 دولة بالاتفاقية وأحكامها، واعتبرت

الفساد آفة تقوض أسس أي مجتمع متحضر، فهو يقوض الأخلاق وحسن إدارة الشؤون العامة وسيادة القانون ويمتص الموارد اللازمة للتنمية.

إن مهمة انهاء الفساد يضمن الفرصة العادلة للجميع للحصول على الحقوق والخدمات الأساسية مثل العدالة والصحة والتعليم والنقل والماء والطاقة الكهربائية، على أن تتوفر إرادة سياسية قوية تكون داعمة للإصلاحات الاقتصادية وراغبة ببناء مؤسسات حكومية رصينة، وإن الإصلاح هو المفتاح لضمان نجاح واستدامة جهود الحكومة لإنهاء الفساد عبر تعزيز تشريعات قانونية تعمل على مكافحة الفساد وتطوير القدرة على التحقيق والنهوض بالمسائل المالية وتحسين الانتاج و رفع المستوى العام لثقافة مكافحة الفساد وهي أدوات ضرورية لتحقيق النتائج الإيجابية.

وإذا ما نظرنا إلى الواقع الميداني الذي يعيش فيه العراق وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بعد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان 2003،فاننا سنرى العديد من الظواهر السلبية والأزمات المالية ساهم المحتل في تكوينها وادامتها عبر عمل ممنهج ووسائل ميدانية احكمت السيطرة على مقدرات الاقتصاد الوطني العراقي واستثمار ثرواته من النفط والغاز وباقي المعادن الثمينة والسماح بتفشي ظاهرة الفساد الاقتصادي والإداري الذي انعكس سلبيًا على الواقع المجتمعي الذي بدأ يعاني منه أبناء الشعب العراقي وتمثل بسوء الإدارة وسرقة الأموال العامة ونقص ملموس في الاستثمار وتطوير للبنى التحتية وضياع للنمو الاقتصادي وبالتالي زيادة الفقر والبطالة.

ونتيجة لهذه الأحوال فقد صنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم، في مؤشر مدركات الفساد لعام 2023 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، إذ احتل العراق المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر فسادا في العالم، وأصبح الفساد ظاهرة متجذرة وحالة خطيرة أمام تنمية البلاد، مما أدى إلى فقدان الثقة في الأوساط الشعبية وشل كل الجهود لتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

وشكل الفساد في العراق ايضًا ظاهرة سياسية بهيمنة بعض الأحزاب السياسية وميليشياتها على موارد الدولة واستثماراتها المالية من أجل الإثراء الشخصي والحفاظ على مقدرات السلطة والتحكم بمستقبل البلاد، وساهمت ظاهرة تفشي السلاح خارج نطاق الدولة عبر الميليشيات الحزبية في التدخل والدفاع عن مرتكبي أغلب قضايا الفساد الكبرى وحمايتهم بالقوة والتسلط لتحقيق منافعهم ومكاسبهم المالية.

ونتيجة لهذه الأوضاع فقد ابتعد المجتمع العراقي عن كثير من ملامحه الأخلاقية وقيمه الروحية وتراجع مستويات الأخلاق عند الإنسان وغياب الوازع الشخصي بسبب اختلال الموازين في التربية المجتمعية وغياب حس العمل عند الأشخاص الذين يعملون سواءً في القطاع العام أو الخاص وتجييره للصالح الشخصي وانخفاض الوعي والإدراك القيمي بوجود فلسفة ثقافية مشجعة على الفساد سواء بالدفاع عن الفاسد أو التحفيز له عن طريق تصوير القيام بعملية فساد معينة بأنها نوع من الشجاعة والحنكة، وبدأت مظاهر الفساد تأخذ ابعادها في صور عديدة منها، الاختلاس وهو سرقة أو سلب أموال وممتلكات الدولة من قبل مسؤول في السلطة، أو في أي مؤسسة عامة أو خاصة، والرشاوى عبر تسليم الأموال المدفوعة لأحد المتنفذين في بعض اركان الدولة وتكون عادة من قبل الشركات المحلية والدولية أو الأفراد، وفي المقابل يحصل دافعو الرشوة على إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية أو الامتيازات أو العقود الحكومية وغيرها.

إن مكافحة الفساد هي مهمة وواجب اجتماعي كبير والتصدي له يضمن الفرصة العادلة للجميع للحصول على الحقوق والخدمات الأساسية مثل العدالة والصحة والتعليم والنقل وباقي الخدمات العامة وضرب معاول وشبكات الفساد هي من أسس واجبات الحكومة التي تعمل بجدية على حماية أموال شعبها وبناء مؤسسات القضائية التشريعية التنفيذية.

Similar Posts