25 أيار ..العرس العراقي الكبير

بقلم : إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تدافع الشعوب الحرة عن حياتها ومستقبل أجيالها وتعمل على تصعيد وتائر العمل الجماهيري والنضال الشعبي في سبيل تحقيق طموحاتها وآمالها وأهدافها في الحياة الحرة الكريمة وتساهم في بناء صرح المجتمع المنشود الذي يتمثل فيه جميع قيم العدالة الاجتماعية والمساواة وحفظ القانون وسيادة البلاد وحماية حقوق الإنسان والدفاع عن الذات البشرية بكل معاني القوة والاندفاع والإيمان الداخلي، وتتمسك الشعوب الحرة بإرادتها الحقيقية في الحفاظ على استقلال وبناء البلاد بما يحقق القرار السياسي الوطني النابع من حقيقة الانتماء لتربة الوطن والدفاع عن حياضه والايمان بمبادئه وأهدافه السامية والتمسك به.تعمل القوى الحرة والمناهضة لأشكال العبودية والاستغلال والتبعية على الانعتاق من الظلم والاستبداد وصولا إلى معاني الحياة السعيدة وسبل العيش الكريم والأهداف السامية لمفهوم الحرية والاستقلال والقرار الوطني الذي يساهم في تعزيز الأداء الجماعي والتماسك المجتمعي والوحدة الوطنية للبلاد وتساعد جميع القوى الإنسانية على احترام قيمة الإنسان والحفاظ على حياته وممتلكاته وسعادة أفراده وبناء مستقبله الزاهر وفق مشروع حضاري وإنساني بكل الطموحات والأهداف الإنسانية بصروح من الثقافة والعلم والمعرفة والبناء الحضاري وفق رؤية حياتية ومجتمعية قائمة على أسس وركائز تساهم في تعزيز البنية الصحيحة للمجتمع وأركانه.تحتاج عملية بناء المجتمعات الراقية الحرة إلى إرادات وطنية وأفكار نيرة وبرامج تنموية وخطط استراتيجية وعقول بشرية وأدوات تطبيقية إيجابية تعمل جميعها وبشكل متواصل على إنضاج روحية المجتمع والوصول به إلى مراحل الرقي والازدهار والتقدم والاحتفاظ بقيمه والدفاع عن مبادئه وأصوله وتاريخه وحضارته لتستكمل صورة الحاضر بأروع وأجمل زهوها وحضورها الإنساني الكبير، لا تستقيم الحياة ولا تنضج العقول ولا تبنى المجتمعات إلا بفكر وضاء وإرادة إنسانية صميمية ومبادئ وقيم وأخلاق ثابتة تكون عناوين بارزة لحياة كريمة يسعى إليها الأحرار في بناء بلادهم والدفاع عن حياتهم والحفاظ على قيمهم ومبادئهم وحقوقهم ولا تقوى هذه الإرادات على تنفيذ أهدافها إلا بالعمل الجاد والمستمر والفعال نحو تحقيق الإرادة الشعبية والجماهيرية وبتكاتف المجتمع ووحدة مصيره وحياته.جاء يوم الخامس والعشرون من أيار 2021 ليشكل انعطافة تاريخية مهمة وحدثا جماهيريا كبيرا وعنوانا رائعا يؤطر فيه التلاحم الشعبي والتماسك الاجتماعي والتأييد الواسع لكل قطاعات الحياة في المجتمع العراقي للدفاع عن قضية البلاد والوقوف أمام الأحزاب والكتل السياسية التي لم تكترث للتضحيات والدماء الزكية الطاهرة التي أريقت على أرض الثورة المباركة ثورة تشرين المجيدة وفي جميع ساحات وميادين الثوار أينما وجدوا في العاصمة الحبيبة بغداد ومدن الجنوب والفرات الأوسط الغالية وابتعدوا كثيرا عن المطاليب الشعبية التي نادت بها الجماهير المنتفضة منذ زمن انطلاق الصوت العراقي الهادر بوجه الظلم والتعسف الاجتماعي وغياب العدالة وسبات الضمير الانساني واستمرار حالات الخطف والقتل والاغتيال السياسي وزرع حالات الخوف والفزع لدى أبناء الشعب العراقي خاصة المنتفضين من أبنائه البررة.كان هذا اليوم إيذانا بإعادة روح الثورة واستمرار توهجها وتألق أهدافها وسمو مبادئها وهي تحتضن أرواح الشباب وتصدح بأصواتهم وتناغم طموحاتهم نحو بناء المجتمع العراقي المنشود القائم على روح التعاون والمحبة والتكاتف والتآزر بعيدا عن كل معاني الطائفية السياسية والاجتماعية المقيتة التي حاول المحتل الأمريكي وأذنابه والنفوذ والهيمنة الايرانية بكل أدواتها ووكلائها زرعها في جسد وروح العراقيين الذين رفضوا هذه المشاريع وتصدوا لها بكل معاني الرجولة والشجاعة والإقدام وبروح التفاؤل والتعاطي مع الأحداث بكل انسجام وحب وتفاني ورفض للتوجهات المعادية والمخططات الخبيثة التي تمس وحدة وتماسك المجتمع العراقي وتساهم في إضعاف جميع المكونات التي ينتمي اليها أبناء الشعب.سعى شباب الثورة الى تأكيد مطالبهم برحيل المحتل الأمريكي ورفض الوجود الإيراني وجميع أشكال التبعية والتدخل في الشؤون الداخلية للعراق ومنع تغيب واغتيال قراره السياسي الوطني من خلال العمل على تنفيذ الرامج السياسية المعادية التي تسعى للحفاظ على المصالح المشتركة لكل من واشنطن وطهران ومنع العراقيين من التمسك بقرارهم وصوتهم المستقل واختيار طبيعة حياتهم المنشودة بعيدا عن التجاذبات الدولية والإقليمية التي تسعى إلى تحقيق مآربها وتعزيز تواجدها واستمرار تأثيراتها على طبيعة الحياة السياسية في البلاد وهذا ما لاحظناه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان 2003 وسلوك الحكومات المتعاقبة على السلطة في بغداد وعدم قدرتها على التحكم بالقرار الوطني ومنع الولايات المتحدة الامريكية والنظام الإيراني من التأثير على قرارات السلطة الحاكمة والتدخل في رسم معالم وملامح الحياة السياسية بما يتوافق والأهداف المشتركة والابتعاد عن آمال وطموحات أبناء الشعب العراقي.جاءت الأصوات والحناجر الشبابية لتؤكد هذه الغايات الوطنية والأهداف الجماهيرية ذات الإرادة العراقية الصلبة والتوجهات المبدئية الحقيقية في تعزيز مفهوم الانتماء للوطن والتماسك الاجتماعي الذي يعزز قوة والتحام أبناء البلد ليعيد للنسيج الاجتماعي بريقه وألقه بعدما حاول أذناب المحتل الأمريكي ووكلاء النظام الإيراني التأثير عليه وتعزيز مفهوم الطائفية السياسية بل وصلت لحد التأثير على طبيعة العلاقات بين مكونات المجتمع العراقي جميعا.جاء يوم 25 أيار ليكون يوما عراقيا ثائرا وعرسا جماهيريا كبيرا بكل معاني وروح المواطنة والشجاعة والإقدام والإرادة الصلبة، وأتت التجمعات الشبابية في ساحة التحرير التي أعادت لثورة تشرين المباركة روحها بلقاء الآلاف الشباب الذين جاءوا للتعبير عن روح الثورة وإصرارهم على مبادئها والدفاع عنها ودعم حقوق أبناء الشعب العراقي فشكلت التظاهرات الجماهيرية أكبر تجمع شهدته العاصمة بغداد منذ قيام ثورة تشرين المديدة في الأول من تشرين الأول 2019 وأكدت حقيقة التفاعل الثوري في الدفاع عن أرواح شهداء الثورة والمطالبة بمحاسبة ومتابعة قتلة شباب الثورة وإحالتهم للمحاكم وتنفيذ وعود الحكومات العراقية وإعلان نتائج اللجان التحقيقية التي شكلتها لتقصي الحقائق والوصول إلى الجناة الذين تسببوا في إزهاق روح أكثر من (700) متظاهر ومؤيد للثورة واغتيال (90) ناشطا سياسيا وإعلاميا وطنيا وإصابة (28) ألف مواطن من أبناء الشعب العراقي الذين شاركوا في الثورة بجميع مراحلها والدفاع عنها وتأييدها وصولا الى تحقيق أهدافها وطموحاتها في الحياة الحرة الكريمة للمواطنين وتنفيذ الإرادة الشعبية الحقيقية.جاء الصوت العراقي الثائر الرافض لهذه الوقائع والأحداث المؤلمة التي شكلت وضعا مأساويا وانحدارا للقيم والاخلاق والسلوك الاجتماعي وأعطت صورة للاضطهاد والتعسف والملاحقات الأمنية ليمنح الأبعاد الحقيقية لروحية الشعب العراقي ومكنوناته الداخلية وتفاعلاته الصميمية مع الأحداث التي يمر بها ورسمت الملامح الوطنية التي يتصف بها أبناء وشباب العراق المدافعين عن حريتهم وكرامتهم الساعين إلى استقلال سياسي وتمكين اقتصادي وطني وبروح سياسية فكرية نابعة وناضجة من معاناة أبناء البلد تؤطرها رؤية واضحة ومعالجة ميدانية وآفاق فكرية وخطط اقتصادية تسعى للنهوض والعودة بالعراق إلى مصاف الدول والأقطار التي كانت تتمنى أن تصل الى ما وصل إليه العراق من نهضة تنموية وإعمار شامل وحياة حرة كريمة.سعت التظاهرات الشعبية لفضح وتعرية العملية السياسية وآلية وطبيعة النهج الحكومي في إدارة شؤون البلاد حيث الفساد السياسي والاقتصادي وهدر الأموال وضياع الثروات وتهريب العملة وتبيضها وتجارة المخدرات وهيمنة وسيطرة أحزاب السلطة والمليشيات المسلحة على مقدرات الحكم لتحقيق غايات نفعية وأهداف اقتصادية مالية وطموحات فئوية بحيث وصل واقع العراق وبسبب سلوك هذه الجهات إلى تحمل الشعب ضياع ونهب أكثر من (1000) مليار دولار من عائدات النفط العراقي وتهريب (300) مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي مع انفاق (600) مليار دولار بدون إيصالات وضياع (190) مليار دولار عن عقود وهمية في مشاريع خصصت لإعادة البنية التحتية للبلاد ولم تنجز لحد الأن ، وكشفت أصوات احرار ثورة تشرين المباركة وثوار 25 آيار عن ارتفاع نسبة البطالة في العراق لتصل الى (15) مليون عاطل من شباب وشابات العراق ووجود أكثر من (6) مليون يتيم و(2) مليون أرملة و( مليون أمي لا يجيد القراءة والكتابة في بلد الحضارات.ستبقى إرادة الشعب وهمة شباب ثورة تشرين المجيدة وكفاح أبناء البلد وتأييد المجتمع العراقي أدوات كفيلة بإحداث التغيير المنشود وانتصار كلمة الحق واستعادة حرية وكرامة الانسان واحترام إرادته وحقوقه مهما كانت أدوات الطغيان والبطش والقتل والترويع فإرادة الشعوب الحرة لا تحققها إلا الدماء النقية الطاهرة.

Similar Posts