الاعتراف الإيراني بين الأهداف والميدان السياسي

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تعزيز البنية الوطنية وإقامة الحدود الداعمة لمنع أي تدخلات خارجية هي من مقومات الحياة لأي بلد متحرر ولإرادة سياسية مستقلة ولحكومة تعمل على تعزيز هذه المفاهيم حفاظا على ديمومة أواصر الجبهة الداخلية لشعبها ومنعا لأي تدخلات تتفاعل معها أهداف ومصالح ومنافع دولية وأقليمية تنعكس سلبيًا على حياة المواطنين وعلى القرار المستقل في البلاد الذي من المفترض أن يكون وطنيا خالصا وبإرادة صلبة وتوجهات ميدانية تسعى لتعزيز هذه المفاهيم وتمنع أي تدخلات في شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولكن ما حدث في العراق بعد التاسع من نيسان 2003 والبداية الميدانية لسيطرة المحتل الأمريكي على مقدرات البلد واطلاق العنان للنظام الإيراني في تنفيذ مشروعه السياسي التوسعي داخل العراق عبر العديد من الأدوات والوكلاء والأحزاب التي تساهم وتعمل على تحقيق الحلم الإيراني في التمدد والنفوذ على الأرض العراقية الطاهرة وهي إحدى النتائج التي سببها الغزو الامريكي وطبيعة التوافقات الميدانية التي أقامها النظام الإيراني مع العديد من الشخصيات والأحزاب المشاركة في العملية السياسية والميليشيات المسلحة التي تتلقى الدعم والتأييد منه ولكي تكون جزءا فعالا من إدامة زخم التواجد الإيراني في العراق.

كانت إحدى نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان 2003 فقدان الإرادة السياسية للبلاد وغياب الاستقلال الوطني وهيمنة القوات الأمريكية على مقدرات البلاد والسيطرة على ثرواته والتحكم بمستقبل أبنائه وجعل أبواب العراق مفتوحة ومشرعة لجميع الجهات وهذا ما ساعد النظام الإيراني لانتهاز الفرصة المناسبة والتي سعى إليها عبر سنوات طويلة لتحقيق غايته في تنفيذ مشروعه السياسي والتوسعي بالسيطرة والهيمنة على أرض العراق وبدأت أدواته ووكلاؤه بالعمل على توسيع رقعة تواجدها وتغلغله داخل المجتمع العراقي والتأثير على طبيعة التماسك الاجتماعي بزرع الطائفية بين أبنائه ودعم وإسناد الأحزاب السياسية التي ترتبط بعلاقات وطيدة مع هذا النظام وشاركت في العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي ورأى النظام الإيراني ضالته المنشودة فسعى إلى تعزيز عمليات الخرق الأمني والتواجد في جميع مؤسسات الدولة والتأثير على القرار السياسي والتحكم في إدارة شؤون البلاد ووصل الحد به إلى المساهمة في اختيار تشكيلة الحكومات التي تعاقبت بعد الاحتلال على حكم العراق وهذه كانت البداية لضياع وغياب مفهوم الاستقلال الوطني العراقي والعبث بمقدرات البلاد وفق المنهج الإيراني المرسوم من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية التابعة لقيادة فيلق القدس والحرس الثوري الايراني والعمل على تحديد الطرق والاتجاهات في رسم خارطة ميدانية للعراق يتم خلالها تنفيذ التوجهات والأهداف الإيرانية بما يعزز حالة النفوذ التي اتخذت من العراق مجالا رحبا لبناء قواعد الدولة العميقة التي ساندتها الأحزاب الموالية للنظام الإيراني ولتكون منطلقا وطريقا رئيسيا نحو عواصم وأقطار الوطن العربي وتعزيز الأهداف الاستراتيجية لايران .

ويأتي حديث علي خامنئي مع مجموعة من قوات التعبئة (الباسيج ) وهي قوات وتشكيلات تابعة للحرس الثوري الإيراني بمناسبة اسبوع الفعاليات العسكرية الخاص بهذا التشكيل في نهاية عام 2022 بقوله (إن أفراد الباسيج ضحوا بأنفسهم من أجل بقاء نظام الحكم في طهران ) معتبرا أن سياسة إيران قد حققت نجاحا ميدانيا كبيرا في ثلاث دول عربية هي( سوريا ولبنان والعراق ) وأن المشروع السياسي لبلاده قد أثمر عن نتائج إيجابية أدت إلى هيمنة وسيطرة النظام الإيراني وتشكيلاته العسكرية والأمنية على العديد من مظاهر الحياة في عواصم هذه الدول وأنهم تمكنوا من تحقيق أهدافهم وغاياتهم وطموحاتهم ، وأن المواجهة قد حدثت مع أعداء النظام والجهات المعادية له وهو اعتراف ميداني صريح بالهيمنة والنفوذ والتمدد الإيراني في الوطن العربي وتصعيد خطير في مفهوم العلاقات الدولية والأسس القائمة عليها والمصالح المشتركة بين الدول التي يجب أن تراعي الوحدة الوطنية والاستقلال السياسي وسيادة البلدان التي تغاضت عنها الأهداف والغايات الإيرانية معتبرة أن ميدان مواجهتها وحل مشاكلها الداخلية وتصدير أهدافها عبر الأراضي العربية وهذا يعني تهديدا للأمن القومي والوطني العربي وتدخلا سافرا في الشؤون الداخلية وتعديًا كبيرا على الحقوق العربية وانتهاكا لسيادة الدول وحقوقها الشرعية في إدارة بلدانها والحفاظ على أمن وسلامة مواطنيها والعمل على العبث بمقدراتها الميدانية وسلب حريتها واستهداف كرامة أبناء بلدانها بعيدا عن كل مفاهيم وليس العلاقات الدولية وأهداف منظمة الأمم المتحدة والقوانين والأنظمة التي تراعي طبيعة العلاقات القائمة بين بلدان العالم.

إن النظام الإيراني يسعى إلى تعزيز تواجده وإسباغ حالة تأثيره وتحقيق مصالحه وتفعيل الدور الميداني في الهيمنة على القرار السياسي والتوجه الإقليمي والدولي للعديد من عواصم الأقطار العربية ضمن برنامج وأهداف ومضامين أعدها وخطط لها قيادات الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس وتقوم الأدوات والتشكيلات والفصائل المسلحة والمليشيات الولائية بتنفيذها والعمل على توزيع الأدوار والمهام بينها مراعاة للمشروع السياسي الإيراني وتحقيق الغايات والمتطلبات التي أسس لها النظام الإيراني عبر عقدين من الزمن تحديدا بعد الغزو الأمريكي للعراق.

تبرز أبعاد السياسة الإيرانية في مجملها من خلال استخدامها لطبيعة البيئة العراقية سواءً السياسية منها أو الاجتماعية أو الأمنية كونها تشكل قاعدة إستراتيجية لتنفيذ المشروع الإيراني من حيث وجود الأحزاب السياسية التي تتمتع بعلاقة وثيقة مع جميع المؤسسات الإيرانية ذات الإرتباط الفكري التي تحقق بدورها ما يتطلبه الدور الإيراني من أهداف وتطلعات ميدانية ،وتزايد التأثير الفعلي والميداني للعديد من المليشيات التي تتمتع بنفوذ من قبل الحرس الثوري الذي يشرف على العديد من معسكرات التدريب والتأهيل للعناصر المليشياوية التي تشكل أداة فعالة في تنفيذ المهام الموكلة لها من قبل الأجهزة الأمنية والإستخبارية الإيرانية بما يديم فعالية وإستمرار أهداف السياسة الإيرانية في العراق وباقي الأقطار العربية التي تشهد تواجدا ميدانيا إيرانيا .

إن الدور السياسي الذي قامت به الدوائر الاستخبارية التابعة للنظام الحاكم في طهران بتوثيق وبناء علاقات فعالة مع العديد من الشخصيات السياسية العراقية والأحزاب الطائفية التي كانت تتواجد على الأرض الإيرانية وبحماية أجهزة النظام الأمنية قبل الإحتلال الأمريكي للعراق دورا فعالا وحيويا في تنفيذ المشروع السياسي والإستراتيجية الإيرانية في العراق وإستمرار إيران بالعمل على خلخة الأوضاع السياسية في بغداد بما يجعل الحكومات المتواجدة أكثر ضعفا وتبعية لإيران وإيجاد نخب سياسية تدين بالولاء والطاعة للنظام الإيراني وتتلقى الإستشارات والتوجيهات حول العديد من القضايا والمشاكل السياسية والإقتصادية ذات الشأن العراقي بما ينعكس على طبيعة الصورة الواقعية للمشهد السياسي العراقي الذي تسعى اليه إيران التي تعتمد على الأدوات والوكلاء الميدانيين الذين يشكلون العديد من المليشيات المسلحة التي سبق لقادتها وأن عملوا وساهموا في العديد من العمليات العسكرية لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني .

تسعى إيران إلى تعزيز الدور الاقتصادي في العراق بالتغلل الكبير في مختلف القطاعات الإقتصادية والصناعية والإستثمار والسياحة وإغراق الأسواق العراقية بالمنتوجات الإيرانية الاستهلاكية مما جعل إيران تكون الشريك الرئيسي للعراق وبواقع تبادل تجاري بلغ أكثر من (12-14) مليار دولار ويسعى لرفع حجم التبادل التجاري الى (20) مليار دولار وهي فائدة مالية تدر أرباحًا طائلة للجانب الإيراني خاصة وأنه يعاني من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من قبل الإدارة الأمريكية لعدم امتثاله القرارات الدولية بإيقاف برنامجه النووي وتطوير أسلحته البالستية والصواريخ بعيدة المدى والاستمرار بمشروع التوسعي، وأكد هذا التوجه الاقتصادي(حميد حسيني) عضو مجلس إدارة الغرف التجارية الإيرانية العراقية المشتركة عندما أشار إلى أن صادرات إيران سجلت 7,280 مليار دولار إلى العراق في الشهور العشرة الأولى من السنة المالية للفترة من 21 آذار 2021 حتى 20 كانون الثاني 2022 ، ووصل الحال إلى اعتبار العراق أحد أكبر خمسة شركاء تجاربين لايران في سعي المسؤولين الإيرانيين إلى توقيع المزيد من الاتفاقيات الاقتصادية وزيادة حجم التبادلات التجارية بين البلدين بعد أن امتلكت إيران مكاتب ومراكز تجارية في بغداد ومشاركتها في أربع معارض تجارية تقام سنويا في البصرة وأربيل وبغداد وفتح معارض متخصصة دائمة ومؤقتة للشركات الإيرانية المجازة من قبل وزارة التجارة الإيرانية في مختلف المحافظات والمدن العراقية، والأخطر في هذه الاتفاقيات أن الجانب الإيراني تمكن من عقد اتفاقية مشتركة مع الحكومة العراقية تشير إلى إلغاء عمليات التفتيش للبضائع الإيرانية على الحدود العراقية عبر مذكرة تفاهم لتسهيل التجارة مع العراق وبهذا يتمكن الجانب الإيراني من إدخال أي مواد تجارية وصناعية وأي مواد أخرى تخدم مشروعه السياسي داخل العراق دون رقيب وتفتيش ومتابعة أمنية.

هذه هي أهم معالم وملامح وأهداف السياسة الإيرانية في العراق التي تعتمد على عاملين مهمين هما الدعم والتمويل المالي الذي يقدمه النظام الإيراني للأحزاب والحركات السياسية والمليشيات المسلحة في العراق وللعديد من الأدوات والوكلاء المرتبطين بالمؤسسات الأمنية والاستخبارية الإيرانية.

Similar Posts