اختيار الأفضل في الانتخابات العراقية دعوة بين السذاجة والتضليل …عبد القادر الضاري
ليس غريبا أو مفاجئا أن تنطلق دعوات أو مناشدات من بعض الفئات سواء كانوا أفرادًا أم مؤسسات على شكل نصائح سياسية بثوب ديني أو فتاوى شرعية جاهزة ومؤصلة بالأدلة بضرورة اختيار الأفضل والأحسن من المرشحين في الانتخابات البرلمانية القادمة، وأن الاختيار أمانة في عنق الناخب وهو مسؤول عنه في اليوم الآخر.
ومما يدعو للأسف أن تأتي هذه الهرطقات بعد أربع تجارب انتخابية سابقة، تخللتها دعوات ومناشدات بل وفتاوى بوجوب المشاركة في الانتخابات تحث على اختيار المرشح الأمين والفاضل والمدافع عن حقوق ناخبيه ثم جاءت النتائج وأثمر الحصاد عن أسوأ منظومة سياسية وأكثرها فسادًا بين دول المنطقة، تولت السلطة في العراق، وقد بات من الممكن التفكير اعتماد هذا الإرث المتراكم للفشل الإداري والفساد المالي في المستقبل معيارًا عالميا لدى منظمات الشفافية ومكافحة الفساد الدولية.
السؤال المنطقي والواقعي لأصحاب هذا الطرح الذي يبدو للوهلة الأولى لدى البسطاء مقبولا من الجمهور أو ممن يحسنون الظن بهذه الجهات هو؛ هل أستطاع أرباب العملية السياسية وبعد انقضاء خمسة عشر عامًا على تأسيسها أن يعدلوا مادة واحدة من مواد الدستور الذي وضعه الأمريكان، الدستور الذي دق إسفين الشقاق والصراع بين أبناء العراق، ووصفه بعض رموز العملية السياسية بأنه قنبلة موقوتة تهدد وحدة العراق وشعبه وسبب رئيس في كثير من المشاكل والخلافات التي عصفت وتعصف بالعراق وشعبه، هذا الدستور الذي أعطى الهيمنة لطرف واحد على السلطة التنفيذية والقرار السياسي، وأهمل واضعه عن قصد اعتماد التوازن في توزيع السلطة في بلد تم احتلاله وتدمير بنيته السياسية وحل مؤسساته السيادية الضامنة لوحدته واستقراره، وفشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق أي تقدم في جميع الملفات التي قطعت الوعود بإيجاد الحلول لها كالمصالحة الوطنية التي أطلقتها وصدعت رؤوسنا بها وذهبت تلك الوعود أدراج الرياح ولم يتحقق منها أي شيء، ناهيك عن ملف المعتقلين وحالات الابتزاز والمساومة على حريتهم وما يقع عليهم من حيف وجور المادة ( 4) من قانون مكافحة الإرهاب لسنة ( 2005 ) السيء الصيت، فضلا عن جرائم المخبر السري الذي لايزال سيفا مسلطا على رقاب الأبرياء الذين تكتظ بهم سجون الحكومة سواء المعلنة أو السرية، كذلك ملف المفقودين والمغيبين والمئات من الذين تم انتزاع الاعترافات منهم تحت التعذيب وأعدموا بمحاكمات صورية تفتقر الى أبسط معايير العدالة وحقوق الإنسان، ومئات مثلهم ينتظرهم المصير نفسه، حتى إن قانون العفو الذي شرعه البرلمان عام (2017) قد أفرغ من محتواه لكثرة الاستثناءات التي فرضها الطرف الأقوى في العملية السياسية وكذلك ملف التهجير القسري والتغيير الديموغرافي على أساس طائفي وهناك الكثير من الملفات المهمة الأخرى التي تركت دون أن توضع لها الحلول والتي تلقي بثقلها وقسوتها على حياة العراقيين كالفقر والبطالة والخدمات، كل هذا يحصل وأكثر مع تراجع كبير ومؤسف في حقلي التعليم والصحة اللذين كانا من أحسن وأفضل النماذج في الشرق الأوسط، ومحط فخر واعتزاز العراقيين جميعا.
هذا الفشل الكبير والفساد المتراكم للحكومات المتعاقبة كان نتيجة طبيعية لعملية سياسية فاشلة، بنيت أساسا على قواعد المحاصصة الطائفية والعرقية المقيتة ومفهوم الأكثرية المزعومة التي أعتمدها الأمريكان، لحساب مكون معين على حساب المكونات الأخرى، دون أي سند قانوني يدعم هذا الإجراء وكان الهدف منه إرساء بذور الشقاق والصراع بين العراقيين، بعد أن فوجئوا بمقاومة سريعة وعنيفة لم يتوقعوها.
وبعد أربع تجارب انتخابية سابقة وأربع حكومات خرجت من رحمها، لم يحصد العراقيون إلا الخذلان والمعاناة ممن وثقوا بهم وانتخبوهم، وبعد كل هذا الفشل الذريع والإخفاق للعملية السياسية ألا يحق لنا أن نسأل الداعين والمفتين لانتخاب الأفضل والأحسن أن يعيّنوا لنا ويحددوا من هم هؤلاء الذين يمكن أن نثق بهم، للمرة الخامسة وهذا من المحال، وليكن هذا التحديد بالأشخاص والأسماء أو على الأقل أسماء أحزابهم أو كتلهم الانتخابية بعد أن نشرت مفوضية الانتخابات أسماء المرشحين وكتلهم وأن لا تترك هذه الدعوات على سبيل التعميم المبهم الذي كان سببا في دفع الناس الى صناديق الاقتراع في الانتخابات السابقة تحت أوهام دعوات مماثلة حملت في طياتها نوعا من السذاجة في فهم واقع النظام السياسي القائم وطبيعة العملية السياسية الجارية ومخرجاتها ونوع النظام الانتخابي المعمول به، والتي لا يمكن أن تحدث فرقا عن التجارب السابقة.
وهناك طرف ثان يعي حقيقة العملية السياسية ولكنه ينطلق من مصلحة شخصية أو فئوية فهو يقوم بدور مرسوم له بعناية للتضليل والتلبيس على الناخبين والدفع بهم نحو المشاركة في الانتخابات لأنه طرف مشارك في العملية أو داعم لها أو منوط به هذا الدور خدمة لأجندة خارجية إقليمية أو دولية من مصلحتها استمرار هذه العملية السياسية الفاشلة مستخدمًا أسلوب النصح المغلف بطابع ديني لتحقيق أهدافه ومآربه المضللة.