فيزياء عراقية.. العملية السياسية والتوازن القلق

بقلم : جهاد بشير

حتى يكون جسم ما في حالة توازن مستقر “ميكانيكي” وفق قوانين الفيزياء؛ يلزم أن تكون محصلة القوى الخارجية التي تؤثر عليه صفرًا، فإذا ما كانت ثمة قوّة أو مجموعة قوى تتفاوت في مقدارها وتتضافر في التأثير عليه، فإنه يفقد توازنه وينتهى الحال به إمّا إلى السقوط التام أو إلى توازن قلق غير مستقر تُحدِّد حجمَه قيمةُ طاقته الوضعية التي هي بالضرورة ناجمة عن محصلة قيمة القوى الخارجية .

وفي محاولة لإسقاط قانون الفيزياء هذا على واقع حال العملية السياسية وما تشهده من حالة لا استقرار مزمنة؛ فإن النظام القائم في العراق اليوم تتناوب عليه قوى التأثير من كل اتجاه وهي ذات مستويات مختلفة بحيث بات من المستحيل أن تكون محصلتها صفرًا، وحيث لم يزل هذا النظام قائمًا لم يسقط فإن ذلك يعني أنه في حالة موازنة قلقة، فهو أشبه بالعصا وهي تتمايل حين يحاول المرء موازنتها على أصبعه.

القوى التي أنشأت العملية السياسية وأخذت ترعاها حتى اليوم، تعمل على جزئية واحدة فيها وهي ضمان استمراريتها بغض النظر عمّا إذا كانت صالحة أو فاسدة، قادرة على الصمود أمام الفوضى والتحديات أم غير ذلك، ولأنها أوهى من الصمود وأبعد ما تكون عن الصلاح، فإن تحكّمات الخارج تضفي عليها توازنًا قلقًا غير مهم بالنسبة لها استقراره أو سكونه بقدر ما يهمّها ما ينتج عن هذا التأرجح من فوضى تترتب عليها مكاسب ومصالح مرحلية تارة وبعيدة المدى تارة أخرى.

نوري المالكي بوصفه أحد أطراف الأزمة الأخيرة في النظام السياسي؛ قال بعدما سحب مقتدى الصدر أتباعه وأنهى اعتصامهم التمثيلي داخل المنطقة الخضراء: “إن هناك مؤثرات داخلية وخارجية هي من تبدأ بتحريك المشهد الدموي أو توقفه”، بحسب ما تم تداوله في الأوساط الصحفية، ومهما تكن مصداقية نسبة هذا التصريح له من عدمها؛ فإن المعنى الذي يتضمنه صحيح، وهو صريح بالنص على التأثير الذي يتحكم في توازن المنظومة، ولا يقف الأمر عند تصريح مجرد مثل هذا، بل إن الأحداث ومجرياتها تؤكد ذلك وتصادق عليه كل حين.

أزمة الصراع بين التيار الصدري والإطار التنسيقي وميليشياتهما بدأت بمسرحية وانتهت بأخرى، فالانتخابات التي وُصفت زورًا بالمبكرة ولم تكن كذلك مثّلت فضيحة حقيقية للعملية السياسية بمقاطعة الشعب العراقي لها، وإقرار المشاركين فيها بفشلها، لكن نتائجها – رغم ذلك – اعتبُرت واعتُمدت وباركتها المنظمات الدولية والأنظمة الكبرى والصغرى، الغربية منها والشرقية، التابعة منها والمتبوعة، وكل ذلك ضمن سياق بقاء حالة التوازن قائمة، ولا مشكلة في منظور الولايات المتحدة وإيران في أن يكون هذا التوازن قلقًا، لأن الغاية منه هو المكاسب الناجمة عن الحالة السياسية والأمنية، دون أي اعتبار لمصلحة الشعب العراقي ومصيره.

ثم إن الأزمة انتهت مرحليَا بمسرحية أخرى حينما اقتحم تيار الصدر المنطقة الخضراء وأعلن زعيمه ما أسماه اعتصامًا قبل أن يدعي الانسحاب من العمل السياسي والاعتزال تاركًا أتباعه في فوضى مركبة مثل قطيع هائم في فلاة انشغل راعيه باللهو وتركه على غير هدى، وقابلت ذلك مظاهرات مصطنعة من الإطار التنسيقي وتصعيد في التصريحات والاستهدافات التي زادت التوتر وقدحت مزيدًا من الشرر على الوضع المحتقن بين لصوص مختلفين وشركاء متشاكسين يعرف بعضهم خبايا بعض، حتى تحوّلت التوترات هذه إلى مصادمات ومعارك أدخلت حكومة بغداد في حالة إنذار قصوى، حيث تم تعطيل عمل القضاء والمؤسسات الحكومية والتعليمية وكافة أنماط الحياة في البلاد تحت مظلة الحظر على التجوال، وبقيت أجهزة الأمن عاجزة عن أن تحرك ساكنًا أو توقف متحركًا رغم أن مسؤوليتها تقتضي ذلك.

وقد ظن كثيرون بعد ليلة دامية من القتال في قلب مقر حكومة بغداد وسفارات الدول الغربية ومنها سفارة الولايات المتحدة صانعةِ النظام؛ أن الانهيار وشيك، وأن التوازن القلق آل إلى سقوط حر؛ لكن مقاربات السقوط هذه لم تدم طويلاً إذ سرعان ما خرج مقتدى الصدر متصنعًا حالة الغضب، وطالب بإنهاء كل شيء في رضوخ مهين لخصومه الذين فرضتهم طهران عليه ليكونوا أعلى كعب منه، مع وعود منها بترضيته ومنحه جزءًا من مكاسب المرحلة المقبلة؛ لأن نصيبه في منظومة المحاصصة محفوظ، لكن مرتبته فيها قد تختلف هذه المرة عمّا سبق.

وبينما كانت شريحة واسعة من المراقبين تتوقع حربًا طويلة بين الميليشيات، تنتهي بزوال العملية السياسية، أدركت لاحقًا تناسيها مقاصد الولايات المتحدة وأهدافها، وغاب عنها دور إيران بوصفها وكيلاً مخولاً للتحكم بالمشهد فضلاً عن الصراعات التي فيه، ولم تلتفت إلى ما أشرنا إليه في أيّام الأزمة من أن الصراع الأفقي في العراق مفتوح ومتاح حسبما تقتضيه المرحلة، لكن العمودي منه محدد بسقف لا قِبل لأحزاب العملية السياسية ولا لميليشياتها تخطيه، لذلك جاءت نهاية الصِّدام على غير ما توقع المفرطون بالأمل، غير أنها مطابقة لما استشرفته القوى العراقية المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية التي تؤكد على طول المسار أن بقاءَ النظام – بغض النظر عن الطريقة التي يبقى فيها – وزوالَه مرهون بإرادة صانعيه، وأنه يتنفس الفوضى ويقتات على الاضطراب، وطالما كانت مصلحة الولايات المتحدة ومن يحالفها صفًا أو تخادمًا تقتضي بقاء العملية السياسية فإن حالة التوازن تبقى قائمة، وتنتهي في ضوئها الصراعات على توافقات وترتيبات ترضخ لها أحزابها وتتقيد بها.

لا أحد في العراق مثل هيئة علماء المسلمين يُحسن قراءة وتحليل المشهد السياسي، إذ تُثبت الأحداث دائمًا أن قراءة الهيئة تصيب المقصد والمآل؛ لأن رؤيتها والاستشراف ينبعان من ثوابت ومبادئ، وليس الحال مجرد تعاطٍ بالهوى والعاطفة كما يفعل الجميع، والله غالب على أمره.

Similar Posts