بلاسخارت ومهمة تبرير الإحباط وخيبة الأمل

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تحدثت المبعوث الخاصة للأمم المتحدة(جينيس هيبسن بلاسخارت) في الثاني من شباط 2023 أمام مجلس الأمن الدولي عن العراق واستعرضت العديد من الأحداث التي شهدها المشهد السياسي العراقي وأعطت صورة ميدانية عن طبيعة الإجراءات والوسائل المتبعة في معالجة العديد من الأزمات والأحداث التي يعيشها أبناء الشعب العراقي وطبيعة العلاقة بين الأحزاب والكتل السياسية وعلاقتها مع الحكومة العراقية والاختلافات في الرؤى الميدانية حول معالجة الأزمات والاختناقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعصف بالمجتمع العراقي وانعكاساتها على مجمل الأحداث القائمة في البلاد والتي أصبحت تشكل عائقا كبيرا في تطور وتقدم البلد وتحقيق الرفاهية والسعادة لأبنائه والأمل في حياة حرة كريمة بعد أن فقد المواطن نوافذ الأمان وإشراقة المستقبل في معالجة حقيقة وبرنامج إصلاحي بل بدى الواقع يزداد سوءا ويعاني المواطن من مأساة واقعية ووضع متأزم وتشتت في ملامح المستقبل للأجيال القادمة وعدم وجود إمكانيات حقيقية ونوازع ذاتية وبرامج تطويرية لاستعادة الأوضاع وتحديد مديات التقدم والازدهار في حياة المواطن العراقي وانعدام الجدية التي يفترض أن تتمتع بها أحزاب السلطة في تحقيق الاستقرار للمواطنين بل إنها تعمل باتجاه تحقيق المصالح الفئوية وتعزيز المكانة السياسية للأحزاب والاستمرار بإدارة البلاد حسب أهوائهم ورغباتهم وتدعيم وجودهم في السلطة القائمة بعيدا عن آمال وطموحات أبناء البلد.

أمام هذا المشهد العام المؤلم ألقت بلاسخارت كلمتها الخاصة وابتدأت حول منظومة الحكم القائمة وطبيعة أدواتها والسبل الكفيلة لنجاحها وتجاوزها للعديد من المشاكل والأخطاء القائمة في العملية السياسية والتي لم تكن دقيقة في الوصف التام لها لأنها لا تزال تجعل من الماضي سببا لإخفاق القائمين عليها وهنا تحاول في قولها (من الصعب الحكم على الوضع في العراق بدون وضع ذلك ضمن السياق التاريخي للبلد وعقود من الاضطراب تترك آثارها على الحاضر وإن إرث الماضي وتحديات الحاضر يتطلب وقتا بصرف النظر عن من يكون في موقع القيادة ) ، وهي بذلك تكون قد تناست أنه مرَّ عقدان من الزمن أليسا كافيين للتغلب على العديد من الأزمات التي أحاطت بالمشهد السياسي العراقي أو أن تحسن من أوضاع العراقيين وأن تستثمر ثروات البلاد في تقدم ورقي المجتمع والنهوض به اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، أم أن هدر الثروات وسرقة المال العام وتبيض الأموال وانتشار شبكات المخدرات والفساد الاقتصادي والإداري هي الشواهد الميدانية التي أصبحت سمة من سمات الفعل السياسي في العراق؟

إن من الإنصاف عندما يكون الحديث عن تاريخ العراق أن تأخذ أبعاده وظروفه وتضع الأمور في نصابها الصحيح فلا يمكن أن نتعكز على عقود مضت لإيجاد ذرائع لفشل عملية سياسية في تحقيق الحد الأدنى لسعادة المواطن وتشيد البنية التحتية للبلاد وتحسين الأوضاع المعيشية ورفع مستوى الأداء والإدارة في الحكم، وفي الحديث عن الدور السياسي والأداء الفعلي للأحزاب والكتل السياسية والذي يفترض أن يكون أكثر تواجدا ونشاطا وتحقيقا للمصلحة العليا نرى أن ممثلة الأمين العام تذهب بعيدا ولا تتحدث عن الحقيقة المؤلمة التي تكتنف الوضع السياسي المتأزم والخلافات بين الأحزاب عندما تشير إلى (أنه يجب أن تعطي الأحزاب السياسية والأطراف الفاعلة الأخرى الأولوية لمصلحة البلاد على كافة المصالح الأخرى ففي نهاية المطاف تمثل مسؤولية مشتركة )،أي أنها تتحدث هنا عن ماهية دور الأحزاب وقدرتها على العمل باتجاه تنوير المجتمع وإسعاد المواطنين وتوسيع دائرة العمل بعيدا عن المصالح الفئوية الذاتية .

ثم تعيد الكلام الذي دائما ما يقال عن تشكيل أي حكومة) بأنها تحتاج إلى وقت ودعم سياسي واسع للمضي قدما) وهو اعتراف ضمني بأن الحكومات السابقة التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام 2003 لم تكن جديرة وقادرة على تحقيق آمال وطموحات الشعب العراقي وأنه سيبقى صابرا محتسبا ينتظر من كل حكومة جديدة أن تسعفه في تحقيق أهدافه وأحلامه في الحرية والعدالة الاجتماعية واحترام إرادته والتطلع للمستقبل، ولكنها لم تتمكن إلا أن تشير إلى الحقائق القائمة والأساليب المتبعة في إدارة الدولة وأنها ابعد ما تكون عن تنفيذ الوعود ومصداقية القول في الحديث عن آفاق التقدم والازدهار بقولها(إن المبالغة في الوعود والإخفاق في تنفيذها يمكن أن يكون له عواقب وخيمة ولن يؤدي تجميل الموقف إلا إلى زيادة مشاعر الإحباط وخيبة الأمل) وهذا المتحقق خلال عقدين ماضيين من حياة الشعب العراقي وهي الفترة التي رافقت العملية السياسية التي أتى بها المحتل الأمريكي ودعمها النظام الإيراني وزادت من معاناة ومكابدة الشعب ولم تساعده على تحقيق ما يصبو إليه بالتغلب على مشاكله وأزماته الداخلية وأوضاعه المعيشية التي فشلت جميع الحكومات التي تلت الاحتلال في إيجاد منظومة سياسية واقتصادية وبرامج تنموية وخطط استثمارية تساهم في تعزيز حالة البناء والأعمار للبلاد والارتقاء بنواحي الحياة العامة، ويبقى الفساد الاقتصادي هو الأساس في تأخر المجتمع وزيادة نسبة التضخم واتساع ظاهرة الفقر والبطالة وعدم العمل بشكل جدي لمواجهة شخوصه وأدواته ومن يقف وراءه وتفكيك شبكاته وهو الأمر الذي لم تتمكن (بلاسخارت) من التغافل عنه بقولها (إن الفساد هو السبب الجذري الرئيسي للاختلال الوظيفي في العراق)، ثم الإشارة إلى ضرورة تنوع الاقتصاد الوطني العراقي وعدم اعتماده على سياسة الاقتصاد الأوحد وهو ما يطلق على عمليات تصدير النفط والتبادلات المالية والعوائد والفوائد الاقتصادية الناتجة عن طبيعة وكمية الإنتاج المحلي للطاقة، وإذا ما أريد للعراق أن يتطور ويكون في مصاف الدول المتقدمة ويعود لدوره الريادي في سوق الطاقة وتأثيره العربي والإقليمي والدولي أن يحسن من إمكانياته الاقتصادية وبعمل على تنويع اقتصاد بدعم القطاعين الزراعي والصناعي وتسخير إمكانيات وموارد الدولة لاستصلاح الأراضي الشاسعة واستثمارها وإعادة تأهيل وتشغيل المصانع والمعامل لتعزيز وتيرة الإنتاج المحلي وتشغيل الطاقات الشبابية والحد من ظاهرة البطالة.

وسعت بلاسخارت في حديثها إلى دعوة الحكومة العراقية (بمواصلة سياسة الانفتاح والتوازن القائمة على المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول وسلامتها الأمنية وحسن الجوار)، وكانت هذه الإشارة خجولة ولم تفصح عن حقيقة الاعتداءات المتكررة التي يتلقاها العراق من النظام الإيراني وعديد الفعاليات العسكرية التي تتمثل في إطلاق الصواريخ الموجهة واستخدام الطائرات المسيرة والمدافع الثقيلة في قصف الأراضي العراقية داخل إقليم كردستان بحجة تواجد قيادات المعارضة الإيرانية وكذلك العمليات العسكرية الميدانية والقصف التركي على مراكز الأقضية والنواحي في محافظات الإقليم بحجة نشاط وحركة حزب العمال وهي الأعمال التي تشكل خرقا للقوانين الدولية وطبيعة العلاقات بين الدول القائمة على احترام أمن وسلامة البلاد وحياة أبناء شعبه.

تبقى تقارير الأمم المتحدة حبيسة التبرير والخداع وتبتعد عن ذكر التفاصيل لأنها ترتبط بمصالح وسلوك الجهات الدولية والإقليمية والتي تمتلك نفوذا سياسيا وعسكرية واقتصاديا في العراق وتشكل حالة سلبية تبعد الجميع عن الحديث بما ينسجم والواقع المرير الذي يعيشه أبناء العراق.

Similar Posts