البصائر منبر الرؤية
بقلم : حارث الأزدي
أن تكون صاحبَ قضية هذا يعني أنك تمتلك التصور الكامل في كيفية عرضها عرضا يلفت إليها الأنظار، ويكون رأيك مطلوبا في ساحة التداخلات والتقاطعات، وهذا يتطلب منك أن تمتلك منبرا يعبر عن هذه الرؤية تعبيرًا واضحًا وشجاعًا.
وها نحن اليوم نعيش عبق الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة جريدة البصائر الغراء وهي تسير بخطى ثابتة على ضوء ثوابت الانطلاقة الأولى.
قبل 2003 لم تكن الساحة مهيأة للتعامل مع الصحافة والإعلام بتوجهه الفكري وبالمفهوم المهني لكلمة الصحافة والإعلام. بل كانت النشاطات مقتصرة على مقالات هنا وتصريح هناك وبعض النشرات التوعوية يكون تداولها محصورا ضمن فئة معينة أو معلقة داخل رواق في مسجد يطلع عليها بعض مصليه، وهي بذلك لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مفهوم الصحافة لأنها لا تمارس الصحافة بمفهومها المهني والوظيفي بل هي أشبه بالناقل اللافت للنظر في أمور تخص فئة محدودة من الناس.
غير أن التغير في ميزان القوى بعد الاحتلال أفرز معضلاتٍ كان لابد للقوى الموجودة في الساحة العراقية أن يكون لها لسان ناطق بما تريد وما ترى فصار لها ناطق إعلامي رسمي يقوم بمهمة الإيجاز الصحفي لحدث ما وتبعه بعد ذلك العمل على تأسيس صحيفة ومن الطبيعي أن تكون أولى مميزاتها امتثالها لرؤى هذه القوة أو تلك.
فصار لدينا في العراق تنوع كبير في الصحف منها ما المهني ومنها غير ذلك إلا أن المفاضلة بين هذا الكم الكبير من الصحف المختلفة بعناوينها وتوجهاتها راجع إلى الموقف السياسي المتبنى من قبل هذه الجهة أو تلك ومنها أي من المواقف تكتسب الصحيفة قوتها وثباتها وسعة انتشارها.
والمراقب للمشهد الصحفي في العراق بعد الاحتلال يجد محطات للفرز بين هذه الصحف فالمهنية والمسؤولية وفن التعامل مع الخبر والتحليل السياسي صارت بمجموعها محطات فرز للتفريق والتمايز بين هذه الصحيفة أو تلك.
نبذة تعريفية
جريدة البصائر هي جريدة أسبوعية سياسية عامة تصدر عن قسم الثقافة والإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق، وقد صدرت لأول مرة في 2/8/2003م أي بعد الاحتلال بأربعة أشهر تقريباً. وتهدف الجريدة إلى التعريف بالقضية العراقية وواقع الاحتلال في العراق وما يعانيه العراقيون من مصاعب في ظله، وتنهج الجريدة نهجاً عاماً في تناول القضايا بعيداً عن الاختصاص المناطقي أو الطائفي أو العرقي، فعلى الرغم من صدورها عن جهة معروفة في العراق؛ إلا أنها تسعى لأن تكون للعراقيين جميعاً، وهذا هو الهدف الذي تم تأسيسها من أجله.
ومن هذا المنطلق فتحت البصائر صفحاتها للجميع ونهجت منهجاً خاصاً يقوم على تغليب الخطاب الوطني العام والبعد عن الخطاب الخاص الذي لا يخدم هذا الهدف. وكانت للجريدة ثلاثة مكاتب خارجية في (عمان) و(دمشق) و(القاهرة) ولها موقع على شبكة الانترنت وأخيرا فقد وصلت جريدة البصائر إلى مستويات توزيع مرتفعة وانتشرت في غالب المحافظات العراقية وشهدت إقبالا كشفت عنه بعض استطلاعاتِ رأي المعنيين بصناعة الصحافة ووصلت على مستوى الجهد الفردي إلى عواصم عربية كثيرة ووزعت لفترة قصيرة في أسواق إحدى العواصم العربية، وكان تقويمها كبيراً في هذه الأماكن من حيث المصداقية ونكران الذات والجرأة في طرح الآراء ونقل الحقيقة وملاحقة الحدث لتوثيقه كما هو وقد قيل في حقها: إنها (مرآة الحدث العراقي) وإنها (جريدة الوطن) و(جريدة شرفاء العالم) و(الكاشفة)..
النشأة
بعد دخول الاحتلال الأمريكي إلى أرض الرافدين شهد العراق حالة انفلات من السلب والنهب طالت مرافق عديدة من العراق منها ما هو حكومي ومنها ما هو مختلط بل شملت الاعتداءات حتى الملكية الخاصة للأفراد ولم تسلم من هذه الحالة وكان من بين ما طالته يد السراق والمستحوذين المساجد.
وعلى إثر هذه الأحداث المتسارعة تداعى جمع مبارك من علماء العراق إلى ضرورة أن يشمروا عن سواعد الجد ليحموا هذه المساجد وتكون لهم كلمتهم فيما يعرض من أحداث في عراقنا الجريح وكانت نتيجة هذا اللقاء انبثاق هيئة علماء المسلمين في العراق.
وقد برزت الهيئة بمواقفها المتميزة على الساحة العراقية كقوة يحسب لها حسابها فطرحت مشروعها ورؤيتها لحل المعضلة في العراق بتصور كامل قابل للتطبيق فكان من الضروري لهيئة بهذا الحجم وهذا الموقف قسم إعلامي متميز يرصد الأحداث ويحللها ويربط بين المشاريع ومن يطرحها ليرسم صورة واضحة للشعب والجماهير المتعطشة للرأي والرؤية الصحيحة البعيدة عن تأثيرات المحتل ومن جاء معه فكانت انطلاقة البصائر الصادرة عن قسم الثقافة والإعلام (وكان اسمه هكذا وقتها) استجابة لهذه المتطلبات لتمثيل رؤية الهيئة إعلاميا في الثاني من آب عام2003 أي بعد أشهر قليلة من الاحتلال.
كانت أولى خطوات البصائر منذ انطلاقتها الأولى التركيز على الموقف السياسي وتغطية الوضع الميداني على الساحة العراقية حيث تمثل كلمتها الافتتاحية الرؤية الوطنية فيما يستجد على الساحة من مشاريع وتميزت الكلمة بطرح الأفكار بعيدًا عن الفئوية والطائفية التي يسعى لها المحتل ومن جاء معه في طرح المشاريع.
ركزت الصحيفة في هذه المرحلة على توثيق الأحداث والمواقف ووقفت على مسافة واحدة من كثير من القوى التي أطلت ضمن برامج وطنية ما لم تحد هذه القوى عن هذه الثوابت وجريدة البصائر بهذا تترسم خطى الهيئة خطوة بخطوة.
الرؤية والخطاب
ملخص رؤية أسرة تحرير البصائر هو الجمع بين منهجية امتثال الثوابت والمهنية الصحفية والتزام الضوابط الإسلامي في التعامل الصحفي، ووضع ذلك في بوتقة واحدة لإنتاج خطاب إعلامي تميزت به جريدة البصائر في مرحلة شديدة التعقيد وكان المتلقي أشد ما يحتاج فيها إلى الخطاب المتزن والرؤية الواضحة بأسلوب إعلامي منهجي..
أما خطابها فقد انضبط بامتثالها ثوابت معينة لتكون نبراسا لخطابها؛ اتخذت البصائر الثوابت التي أقرتها الهيئة أساسا لها في خطابها تجاه ما يجري من أحداث في العراق. وتتلخص هذه الثوابت في: ضرورة انسحاب المحتل، وعدم الاعتراف بأي عمل سياسي يأتمر بإمرة الاحتلال، وتمكين أبناء العراق من إدارة شؤونهم بأنفسهم وإقامة حكومة عادلة تجعل الهمَّ الأول مصلحة العراق والمحافظة على هويته ووحدته واستقلاله وحريته والحفاظ على ثرواته.
وقد كان من سمات خطاب جريدة البصائر الصدق في نقل الخبر وتجنب الخوض في حديث لا أصل له أو مختلق بقصد الإثارة؛ والابتعاد عن المهاترات الإعلامية بقصد تحقيق الانتشار وتلك هي صفات لازمة وواجبة في بنود الخطاب الإعلامي الذي أقرته البصائر منهاج عمل. واستطاعت البصائر _بشهادة كثيرين_ أن تتعامل مع المادة الصحفية بكل أمانة ولم تتجه إلى إشعال نيران الفتنة بقصد الاستحواذ على اهتمام القراء كما تفعل بعض الصحف الأخرى للأسف.
ومما ميز خطاب صحيفة البصائر اهتمامها بقضايا المواطن العراقي سعيا إلى الوصول إلى الحقائق التي ينشدها هذا المواطن ولم تتجاهل العمق العربي الذي وجد نفسه معنيا بهذه التحديات التي صبت على العراق باحثا عن مصدر الخبر الحقيقي الذي يعتمد عليه في فهمه لما يجري على أرض العراق من أحداث جسام قصد بها المحتل خلط الأوراق وتعتيم الخبر.
فيما لم يغفل خطابها كذلك انتماءها الإسلامي حيث اهتمامها بأخبار المسلمين في العالم من أجل إيجاد التواصل المطلوب لنهضة المسلمين واستطاعت البصائر أن تبرز المشتركات الإسلامية التي يهتم بها المسلمون في شتى بقاع المعمورة.
شهادة نعتز بها
وهي شهادة فضيلة الشيخ الدكتور حارث الضاري رحمه الله، الأمين العام الأسبق لهيئة علماء المسلمين في العراق، كتب للبصائر في إحدى مناسبات انطلاقتها فهو يقول:
أحيي جريدة البصائر جريدة الكلمة الصادقة، والحقيقة الناصعة، والمعلومة النافعة والهادفة، والموعظة الحسنة، جريدة الأحرار والمجاهدين من أبناء شعبنا العراقي الأبي الصابر، الذين آمنوا بالله تعالى وأخلصوا لدينهم ووطنهم، وقدموا من أجل تحريره واستعادته من قبضة أعدائه ومحتليه الكثير من الشهداء، وتحملوا الكثير من القهر والعناء ولا يزالون يقدمون من أجل ذلك بكل سخاءً وإباءً.
لم يخفهم التهديد والوعيد، ولم ترهبهم النار والحديد، ولم تستهوهم المغريات والوعود، ولم تثنهم دعوات المثبطين، ولا تنظيرات العاجزين والمحبطين.
وأحيي المشرفين عليها والعاملين فيها، وأدعو الله لها بالاستمرار وأداء رسالتها على الوجه المطلوب في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به بلدنا العزيز وللقائمين عليها بالتوفيق إلى المزيد من الجهد والإبداع والمهنية مادة ً وشكلًا ، حتى تحافظ على شعبيتها وإعجاب قرائها بها، والله الموفق.