|

أنقرة الخضراء

الناقد أدهم الشبيب

عندما كانت كل أصقاع تركيا خضراء وماء إلا أنقرة لأنها جبل صلد جليدي في الشتاء رياحي في الخريف مشمس في الصيف، رأى أبناء أنقرة أنهم مظلومون “طبيعيا” عن أبناء جلدتهم كظلم اسمهم كعاصمة منسية، فالشهرة لإسطنبول والخضرة لبورصا، ومناطق الضباب المطيرة لكرادنيز “البحر الاسود” والبلاجات لأزمير و لأنطاليا والقرى التي تعلو الجبال الخضراء كالجنان لسابانجا وإيدير والبحيرات لبولو والغابات لمرسين و آكدنيز “البحر المتوسط” ومناطق بحر إيجه لها المحميات الطبيعية و و ، إلا أنقرة فلا بحر ولا غابة ولا بحيرة ولا أي شيء، سوى صخور جبلية اختيرت عاصمة سياسية لأنها تشبه القلعة الكبيرة ولتوسطها النسبي بين الأقاليم، ولكن الغيرة بل العقدة التي أصابت سكانها المضطرين للنزوح اليها مع السنين- بحكم العمل والوظيفة والتوسع الحضاري والعمران -هو خلوّها من الطبيعة الجميلة التي اعتاد عليها المواطنون النازحون من الولايات التي ذكرنا آنفا ، وكذلك الحرمان الذي يعيشه سكانها الأصليون والتفاوت الكبير مع غيرها من المدن والولايات في الجمال الصيفي والربيعي.

لم يستسلم أبناء أنقرة لهذا ورفضوا فكرة أن يصطافوا كل حين في ولاية بعيدة ليروا الخضرة والماء، وماذا عن حياتهم اليومية التي يجبرون فيها على البقاء في مدينتهم لشهور، وماذا بعد انقشاع ثلوج الشتاء القارص الذي يستمر ستة شهور وحلول الشمس الجبلية اللاهبة، فبدأوا بأغرب شيء عملته مدينة صخرية في العالم، بدؤوا بالزراعة في كل ساحة وكل زقاق وحول المدينة وفي الشوارع وحتى على الجدران.

جاؤوا بالأشجار والورود والحشائش من كل صنف ومن كل مكان ، فأنشؤوا في أنقرة حتى يومنا هذا 60 غابة متوزعة على وديان وأطراف المدينة فتحس وكأنك في قرى البحر الاسود في الشمال، وحفروا سبع بحيرات اصطناعية كبرى متباعدة بين زوايا المدينة ومن حولهن الخضرة والطيور المائية والبرية وبنيت فيها المنتجعات حتى تظن أنك في إسبارطة التي في الطرف الجنوبي من تركيا، واستحدثوا الشلالات والمنحدرات المائية على التلال وكأنك في بورصا ، وبنوا الباركات الوطنية الكبرى وأقاموا في كل حي (بارك) متزاحم الشجر والورود والنباتات يتيه فيه المتجول، وتجاوز عدد الحدائق الصغيرة والباركات الجانبية في أنقرة الألفي مكان فضلا عن الخمس باركات الكبرى التي تتجول خلالها بالطائرات الشراعية والسيارات ، فأنت لا تسير بضع خطوات في شوارع أنقرة متجاوزا حديقة جميلة مزهرة تجري من تحتها المياه حتى تصادفك حديقة مزهرة أخرى وهكذا حتى أنك تستغرب أين يسكنون.

ولكن الغريب أنك عندما تذهب إلى مناطق سكناهم العمودية تجدها حدائق وفي شرفاتهم زروع وفي غرفهم نباتات ظلية وعلى أرصفتهم أشجار وعلى جدرانهم متسلقات، وذكريات طلبة المدارس مع زراعة الأشجار “الإجبارية” التي تكبر معهم حتى عجنت بدمائهم محبة الأرض والوطن الجميل ، بل إنهم بنوا قرى وجعلوها أريافا حقيقية تتخللها أنهار وجداول تسمع منها خرير الماء، واستقدموا إليها طبقات الفلاحين فكأنها موجودة هنا منذ القديم يساعدهم في ذلك المطر الغزير فإذا شحّ استعانوا بالسقي والرش والتكنولوجيا فلا يمكن أن تجد شبرا واحدا بإسمنت أو دون غطاء نباتي ، عمال وفلاحون لا يهدؤون الليل والنهار منذ خمسين عاما أو يزيد ولم تصل درجة الحرارة في أنقرة لثلاثين درجة في الصيف حتى عندما سخنت مدن أوروبا في أزمة المناخ العالمية، وما زلت تحتاج الغطاء وغلق النوافذ في آب ليلا لتنام، وبذا أصبحت أنقرة غابات ومزارع وبحيرات تنتشر بينها بيوت وليس بيوتا تحيطها الغابات والمزارع والبحيرات، جنة لأهلها ويقصدها السوّاح من كل مكان، فهل من مستبصر .

Similar Posts