الانتخابات الأمريكية والعراق … قراءة أولية

إياد العنَّاز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

يبقى المشهد السياسي العراقي أسير التفاعلات الدولية والمشاهد السياسية والوقائع الميدانية لطبيعة المصالح الاقليمية والدولية بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد في 9نيسان 2003 من قبل إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش وبموافقة وتأييد الحزب الديمقراطي الأمريكي، وبقي العراق ومنذ ذلك التاريخ تحت وطأة الأحداث والتجاذبات السياسية التي أشرت الهيمنة والاحتلال الأمريكي والسيطرة على مقدرات العراق وقتل وتشريد الملايين من أبنائه واستمرار عمليات القتل والاغتيال السياسي والاعتقالات في سجون الاحتلال لكل المقاومين الشرفاء والمجاهدين الأبطال دفاعا عن شرف وانتماء العراقيين لبلدهم وصولا إلى استرداد كرامتهم وعزتهم ورافق هذا الاحتلال البغيض إطلاق يد العنان من قبل إدارة الرئيس أوباما وبوجود نائبه جون بايدن للنظام الإيراني وأجهزته الاستخبارية والأمنية وأدواته ووكلائه من المليشيات الولائية للعبث في أوضاع العراق والهيمنة والنفوذ على قراره السياسي والتدخل في تشكيل حكوماته التي تلت الاحتلال بسياسة التخادم مع الإدارة الأمريكية بما يحقق للطرفين المزيد من المنافع والمصالح المشتركة في الهيمنة والسيطرة على الأوضاع العامة في البلاد وإنفاذ سياسة كل من واشنطن وطهران على الميدان العراقي في مساحات ونفوذ متفق عليها رافقتها مصالح نفعية تمثلت في التنسيق الأمني والاستخباري في تحديد المهام الموكلة للطرفين ضمن قيادة قوات التحالف الدولي التي قدمت للعراق وبإدارة الولايات المتحدة الأمريكية، كما جاءت الأوضاع السياسية التي تمخضت عن قيام النظام الإيراني بالاتفاق مع الدول الخمسة في توقيع اتفاقية (5+1) بتاريخ 15 تموز 2015 والخاصة برفع العقوبات المفروضة على طهران والسماح لها بتصدير واستيراد الأسلحة مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية وقبولها زيارة مواقعها النووية بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والإفراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج على أن ترفع هذه العقوبات حال قيام النظام الايراني بتنفيذ بنود الاتفاق الذي وقع مع هذه الدول الأوروبية وبوجود الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت الراعي الأساسي له وبتأييد من قبل الرئيس الأمريكي أوباما الذي ساهم كثيرا في عودة العلاقات الإيرانية-الأمريكية إلى حضورها الدولي والإقليمي وتحديدا في العراق عندما تمكنت أجهزة النظام الإيراني من بسط نفوذها وامتداد مشروعها السياسي الذي أتخذ من العراق ركيزة مهمة وأساسا متينا في الانطلاق نحو التمدد إلى عواصم الأقطار العربية الأخرى مثل (بيروت-دمشق-صنعاء) والتدخل في شؤونها الداخلية ورسم محاور سياستها وعلاقتها مع الأطراف المتنازعة فيها ودعم وإسناد جميع الفصائل والمليشيات المسلحة التي تلتزم وتأتمر بالتوجيهات الإيرانية وتساهم في تنفيذ المشروع السياسي التوسعي الإيراني في منطقتنا العربية ومنطقة الشرق الأوسط.تبقى السياسة الأمريكية واضحة في أهدافها ومعالم وأسس توجهاتها والتمسك بمنطلقاتها التي تحددها جميع المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخبارية التابعة لها ضمن رؤية مشتركة وأهداف معلنة تتفق جميعها على حماية المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وكان احتلال العراق هو الحافز الرئيسي لهذه الإدارة في التحديد الواسع لتطبيق الاستراتيجية الجديدة في المنطقة العربية والشرق الأوسط واعتبرت العراق منطلقا حيويا وذو أبعاد سياسية واقتصادية نحو بناء قواعد وركائز داخل الأراضي العراقية وبقاء التواجد العسكري فيه واتخاذه مسرحا مهما لفعاليات أمريكية قادمة تخدم الرؤية الأمريكية في الشرق الأوسط ورسم أدوات النجاح لها .أمام هذه المنعطفات السياسية والوقائع الميدانية علينا أن ندرك حقيقة الثوابت الرئيسية لتوجهات أي ادارة أمريكية في البيت الأبيض أنها تعتمد رسم سياستها الداخلية والخارجية بما يضمن مصالحها وأمنها القومي ويدر عليها المنافع السياسية والاقتصادية وإبقاء هيمنتها ونفوذها على العالم وفق رؤيتها للأحداث السائدة باختلاف الأدوار والأدوات التي يستخدمها كل حزب إن كان ديمقراطيا أو جمهوريا فالأساس هو حماية المصالح العليا لواشنطن وإدامة زخم وجودها وسيطرتها على الأوضاع الدولية والإقليمية.المتتبع لسياسة واشنطن في الأماكن التي تشهد صراعات عرقية ومذهبية واختلاف الرؤى السياسية في التعامل الميداني مع هذه الأزمات نراها تذهب لتحديد مصالحها وأهدافها الاستراتيجية التي تكفل لها الكثير من جني الثمار وتحقق غايتها، ويؤشره حقيقة النهج السياسي الذي تتبعه في تجاهل الخلافات بين شركاء العملية السياسية في العراق الى أن تصل للحد الذي تريده لتحقق مكاسب أخرى تمهد لمرحلة جديدة، هذه هي السياسة المعلنة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق بعد أن أطَّرت واشنطن سياستها ومحاور توجهاتها في رسم ملامح العملية السياسية التي أتت بها ودعمتها وقدمت كل الاسناد لها وساهمت في تشكيل (7) حكومات عراقية كانت لديها اليد الطولى في تحديد مهامها ومسؤولياتها ضمن الإطار الذي يخدم المصالح الأمريكية في العراق وبتوازن واضح ومعلوم وتنسيق مع التوجهات الايرانية وأدواتها ونفوذها السياسي والاقتصادي في العراق والذي أدركته واشنطن وتعاملت معه كحقيقة ثابتة في الميدان العراقي دون مواجهة بأدوات فعالة ورؤية واضحة لكبح جماح نفوذه وهيمنته حفاظا على مصالحها الداخلية وابقاء أدواتها وشخوصها عاملة ضمن الاطار السياسي الذي وضعته للعراق مع الاستمرار بالعمل نحو تعميق حالات الخلاف بين الفرقاء السياسيين وصولا إلى مرحلة تستطيع فيه الإدارة الأمريكية من تعزيز مواقعها والإبقاء على وجودها العسكري وهيمنتها الاقتصادية على البلاد وإعطاء مبدأ(احتواء ايران) أهمية في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية وهذا ما حصل في إدارة الرئيس ترامب بتطويق النفوذ والتمدد الإيراني في العراق وتعزيز الوجود الأمريكي فيه باعتباره كنز الشرق الأوسط والإبقاء على سياسة واضحة تحدد معالم الإدارة الأمريكية في الالتزام بالحفاظ على المصالح العليا لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط وتحديد التزامات يمكنها اكتساب دعم وتأييد الشعب والكونغرس الأمريكي مع مراعاة عدم تكلفة الاقتصاد بأي تبعيات مالية واعتماد مبدأ (تحقيق المصالح مع مراعاة الاقتصاد بالنفقات ) مستغلة نفوذها ودورها الدبلوماسي الكبير وتفوقها الحاسم لقواتها العسكرية.ضمن هذه الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأمريكية جاءت تصريحات الرئيس المنتخب جو بايدن حول علاقته مع النظام الإيراني ومدى فعاليته وتأثيره في الأوضاع الداخلية وأدواته في علاقته مع الدول الخليجية وخاصة المملكة العربية السعودية وتعاظم تواجده ونفوذه في العراق بأنه (مستعد للسير في طريق الدبلوماسية اذا اتخذت إيران خطوات لإظهار أنها مستعدة أيضا) وهذا يبرز آفاق السياسة الأمريكية في العمل باتجاه شركائها الاوروبيين وحلفائها التقليديين من العرب ومصالحها في العراق، وستمضي الإدارة الجديدة في عملية إحداث حالة التوازن السياسي ومراعاة مصالحها والحفاظ على أهدافها في الوطن العربي والشرق الأوسط واتخاذ الاتفاقية التي توصلت اليها مع مجموعة الدول الخمسة الدائمة العضوية مع إيران في تموز 2015 كنقطة انطلاق لمتابعة المفاوضات مع النظام الإيراني واقناع طهران بالعودة للمفاوضات مع الشركاء الدوليين والحفاظ على أمن وسلامة المنطقة ومبدأ حماية الكيان الصهيوني باعتبارها سياسة ثابتة وموقفًا داعمًا دائما لكل الإدارات الأمريكية الحاكمة.سيكون أمام الإدارة الأمريكية الجديدة مهام استراتيجية تجاه العراق تتمثل في تعزيز تواجدها العسكري على الساحة العراقية وتأمين المصالح الأمريكية من أي تهديدات مستقبلية تصدر من إيران أو من وكلائها وأدواتها الميليشياوية الولائية وحلفائها في العراق والسعي لتفعيل عملية الحوار الاستراتيجي وتكامله مع حكومة بغداد وإيجاد ترتيبات أمنية تخدم وجودها ومصالحها في بغداد.

Similar Posts