قيادة الأبناء للآباء والطلبة للمعلمين (الإفساد بالتدليل)
(نظرة في دور التدريس الأهلي على الحركة التربوية والمجتمع)
بقلم : الناقد أدهم الشبيب
مما يسيء إلى مجتمع اليوم ويضيف إلى أمراضه مرضًا ويزيد من وهن عراه وهنًا، آفة مخفية تلبست بثوب الحب وهي أخطر من البغض، وتلفعت ببرقع الحرص وهي أكثر ضررا من الإهمال، إنه تدليل الأبناء وتركهم على هواهم تبعا لرغباتهم، وتسخير المال “حرامه وحلاله” طوعًا لنزواتهم الفتية ولأجسادهم الطرية ولعقولهم التي ما تزال غضة لا تفرق بين المصلحة والرغبة، ولا بين أهمية صنع المستقبل أو إرضاء الصحبة.
كان آباؤنا يقسون علينا ومعلمونا كذلك، وأيضا كنا نتذمر ولم نكن نرضى وأيضا كنا نلجأ إلى بعضنا لنذكر سيرتهم بالسخط والغضب واللوم وشيء كبير من الاستغراب:”يا ترى أبي لماذا لا يحبني، ومعلمي لم لا يقبلني”، فلما كبرنا عرفنا إنما كان هو الحب بعينه والقبول والحرص بأحسن صوره الحكيمة البعيدة النظر فشكرناهم وإلى الآن في دواخلنا لهم توقير وامتنان.
نحن نخطئ اليوم بظننا أننا نتبع مع طلبتنا و أبنائنا منهجًا عطوفًا غير ذلك القاسي الذي اتبعه آباؤنا ومعلمونا لتعويضهم من الحنان والعاطفة مالم ننله نحن، ونسينا أن الحب واحد وأن الحرص واحد وأن الأب هو الأب ولا يمكن أن نكون أكثر من آبائنا حبًا ولا أكثر من معلمينا الأوائل حرصًا، إنما هو الوهم والضعف أمام العاطفة، والتضحية بالابن ومستقبله وصنع شخصيته ورجولته واستقامته من أجل عاطفة آنية تجعلنا نراه سعيدًا طائشًا راضيًا مدللًا كالطفل، وتلك هي الأنانية بعينها، تركنا أبناءنا يضعفون ولم نقوهم وتركناهم ينعمون ولم يخشوشنوا، ويتكلون علينا ولم يتخذوا لأنفسهم ثقة وعليها اعتمادًا.
جاءنا أحد أولياء الأمور معاتبًا حول ابنه، قيل له: ولكننا مسكناه يتعاطى مواد مخدرة وسكائر في حمامات المدرسة، قال: أنتم عليكم تعليمه ولا دخل لكم بما يفعله بنفسه، وتركه سعيدًا راضيًا فخورًا وذهب!
هذا من جهة الأسرة و ولي الأمر، أما من جهة التعليم فإن المدارس الأهلية جعلت القيادة والتوجيه للطالب والأمر بيده وهو الذي تجربته في الحياة لا تتجاوز خمس سنين وعمره لا يتجاوز 18 سنة، أي غير راشد ومن ورائه أم عطوفه بعقل وعاطفة امرأة تجري وراء ما يريد وأب محكوم أو مغتر بما يملك ولا يعي ما يريد ابنه من تحطيم لنفسه وللمجتمع، فإن كان جيدًا دراسيًا انغر ودفعه زملاؤه لتكوين مجاميع “كارتلات” لمناهضة النظم التعليمية الأصيلة والمدرسين الحريصين ففقد البوصلة، وإن كان ضعيفًا دراسيًا أقلق الجو التعليمي من حوله وشوش على المدرس والصف دون رادع، حتى بلغت الأمور ببعضهم أن بدؤوا يتحكمون بنوعية من يدخل عليهم من المدرسين وبتسيير أنظمة المدرسة تحت ضعف الإدارات وتردد أو إهمال المشرفين، أو حتى خوف بعض المدرسين المستقلين المنفردين بعد أن انضم أغلبهم إلى موجة سيطرة المال والدروس المدفوعة الأجور هنا وهناك، وسياسة المستثمرين التي لا تراعي التربية وأصولها، فصار الطالب يملي رغباته بإبعاد المدرس الذي لا يسير الدرس على هواه وهوى زملائه حيث الهرج والنكتة والمرج وضياع الوقت، أو خوفًا من التشدد بالدرجة والاكتفاء بحقه وما اجتهده، فيطلب مدرسًا يكيل الدرجات دون مستوى علمي حقيقي، أو مدرسًا يعطي أسئلة الامتحان مسبقًا على شكل دورات و”ملازم” وما شابه من طرق ملتوية، أو المدرس الذي صار يجالس تلميذه في المقهى يدخنون “النراگيل” تطبيقًا لمبدأ الديموقراطية والحداثة والتطور.
أنا عُرض علي التدريس في الأهليات ولما التقيت المستثمر قلت:
هل أنا أقود الطالب أم هو يقودني قال: يقودني ويقودك شيء اسمه “التسويق” يا أستاذ ، الطالب يريد “ملزمة” ويريد تدليل ويريد ألا يتعب عقله ويريد كذا وكيت، وذكر لي كثيرًا مما لا تقبله أصول التربية ويؤثر بالمستقبل على قدراته الذهنية بالتلقين والأسئلة المكررة و و، فلن يكون لدينا بعد سنوات لا علماء ولا مفكرون ولا فنانون ولا أدباء ولا معماريون ولا أطباء بارعون ولا تدريسيون محنكون فينهار المجتمع ويتراجع، قال :”إحنه ولد اليوم ، والسوق يتطلب هذا والأهالي وأبناؤهم” قلت :لا تنسَ وطبيعة الأسئلة الامتحانية أيضًا ، و أضفت : هل أنت تربوي في الأصل؟ قال: لا ، ولكن التربويين يعملون عندي!
فلم نتفق وانصرفت.
في الحوارات القديمة كان الطلاب يقولون لبعضهم: احذر أن تفعل كذا فالمدرس الفلاني لا يقبل، اليوم المدير المسكين المغلوب على أمره يقول لي: “أرجوك خفف من الجدية فالطلاب لا يحبون الحريص”! والتربية لا تساندنا وقراراتها لا تحمينا ولا تجعلنا كما كنا قديما نوجه الطلبة ونربيهم، حتى أصبح الطلبة يوجهون المعلمين والأبناء يقودون المربين، ولا خير في قوم يتولى أمورهم حدثاء الأسنان، وينحى جانبًا حكماء الناس ومجربوهم، والقادم أخطر… والله المستعان.
———-
ملحوظة: لابد هناك استثناءات من الطرح العام السابق.