أسبوع القدس العالمي راية خفاقة في سماء المقاومة

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تبقى القضية الفلسطينية من الثوابت الرئيسية والمحطات النضالية والآفاق الجهادية في حركة ونشاط وفعالية الشعب العربي كونها ارتبطت كثيرا باستقلال ووحدة وحرية أمتنا العربية وأعطت ثمارها من خلال القاسم المشترك لأهداف الأمة التحررية بالانعتاق من الظلم والتعسف الاجتماعي الذي يمثله الاحتلال الصهيوني البغيض بهيمنته وسيطرته على الأرض الفلسطينية الطاهرة منذ عام 1948 وما تلاها من مواجهات نضالية ومعارك جهادية ضد أفراد الجيش الصهيوني وميليشياته المسلحة وما عاناه أبناء شعبنا الفلسطيني من تهجير وعدوان في السنين التي تلت جريمة التقسيم وكان آخرها عملية احتلال القدس الشريف في عدوان الخامس من حزيران 1967والذي أسهم في وحدة النضال الشعبي العربي وارتبطت قضية القدس بثورية ومبدئية القضية الفلسطينية ولتكون عمقا استراتيجيا في محورها النضالي وتشكل عاملا حيويا في العمل من أجل تحرير الأرض المغتصبة من براثن الاحتلال الصهيوني ومنطلقا مهما وحيويا نحو تطلعات شعبنا الفلسطيني المجاهد ودافعا باستمرار انتفاضاته الشعبية منذ عام 1976وحتى عام 2021 .تعاظمت أهمية القدس الشريف وأخذت أبعادها الدينية والعقدية والإنسانية والنضالية بعد قرار سلطة الاحتلال الصهيوني بضمها واعتبارها عاصمة لكيانهم المسخ عام 1980والعمل على إعداد الخطط والبرامج العدوانية التي تستبيح مواجهة أبناء المدينة وتفعيل سياسة التهويد والاستيطان في قلب مدينة القدس الشريف ومحاربة أهلها من العرب المسلمين والمسيحيين والتعدي عليهم وإخراجهم منها عنوة وعبر أساليب القتل والترهيب والعزل وعدم مراعاة جميع القوانين والقرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي ومنظمة الأمم المتحدة والجامعة العربية، حيث استمرت قوات الاحتلال بعمليات منظمة تمثلت باقتحام المسجد الأقصى وتقسيمه واحتلال بيوت المواطنين الأصليين داخل المدينة وحولها وتهديمها وإخراج أهلها منها بصورة تعسفية بعيدا عن كل ما تمثله القيم والأخلاق ومبادئ العدالة الاجتماعية وضربا للقوانين الدولية وحقوق الإنسان. وجاءت أحداث حي الشيخ جراح في شهر أيار 2021 لتؤكد حقيقة النضال والكفاح والتصدي الفلسطيني الثائر ضد أساليب وخطط الكيان الصهيوني وبمواجهة شعبية عارمة وجهاد كبير أقض مضاجع العدو وأفزع قواته وأجهض أمنيات رئيس وزراء العدو نتنياهو، بعد أن وجه ثوار القضية الفلسطينية ضربة قاصمة ولقنوا العدو الصهيوني درسا بليغا في المواجهة الميدانية، وأثبت حقيقة واقعية أن النضال والكفاح والجهاد هم عناوين وأدوات وصور للمواجهة الحقيقية مع الكيان الصهيوني الغاصب للأراض العربية الفلسطينية، وأن الشعب الثائر مصمم على دوره النضالي في استعادة حقوقه وكرامته وأرضه السليبة من براثن المحتل الصهيوني، وأيقن الجميع أن الأحداث التي شهدتها مدينة القدس الحبيبة، واتساع نطاق المواجهات مع جيش الاحتلال، وتعاظم التضحيات، إنما كانت دليلا واضحا وإصرارا عميقا وتجسيدا حيا للمواقف البطولية لأبناء الشعب الفلسطيني المجاهد بعد أن تدخل المحتل بمصادرة وإخلاء عوائل فلسطينية من حي الشيخ جراح من منازلها التي شيدتها عام 1956 ولديها وثائق ثبوتية عقارية بأنها تعود إلى ملكيتها المطلقة، ومحاولة الغاصب الصهيوني تسليم الدور إلى جمعيات استيطانية للتأثير على واقعها السكاني وفق منهج ديمغرافي وسياسة توسعية وتغيير لهويتها العربية . كان تاريخ العاشر من أيار 2021 إيذانا باندلاع مواجهات عنيفة بين المصلين والمرابطين في المسجد الأقصى بعد التدخل السافر لقوات الشرطة الصهيونية واقتحامها لباحات المسجد ودخولها إليه واستخدامها الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاط والقنابل الصوتية والتي وجهت الى صدور وجباه الفلسطينيين المتواجدين للصلاة في المسجد وأصابت العشرات منهم بجروح بليغة في الرؤوس والعيون وآخرين بالاختناق مع اعتقال عدد منهم بأسلوب وحشي تعسفي كبير بعيدا عن القيم والمثل الإنسانية ، وتم ذلك عبر وسائل عديدة استخدمت فيها جميع أشكال القسوة والعنف والاضطهاد من إغلاق البوابات الرئيسة للمسجد، الى نشر أفراد من القوات الصهيونية على الأسطح والمباني المطلة على المسجد والواقعة بالقرب من القاعات والبنايات التابعة للمسجد، وحشد قوات عسكرية وأمنية بالمئات في مواجهة المصلين والمرابطين لتؤكد حقيقة النهج والأسلوب الهمجي وصور الحقد الدفين الذي تكنه عناصر وقوات المحتل الصهيوني الغاصب ضد أبناء الشعب الفلسطيني . عكست الأحداث والمواجهات العنيفة واستخدام الآليات العسكرية المتطورة والصواريخ الموجهة والغارات الجوية طبيعة المشاريع السياسية الصهيونية العنصرية التي نفذها أفراد الجيش المحتل، وهي سياسة احتلالية تقوم على أساس التمييز العنصري واضطهاد الشعوب واستلاب الاراضي والتغيير الديمغرافي والتطهير العرقي وتوجه بالعمل على إلغاء تاريخ أمة وشعب وسعي دؤوب في تنفيذ سياسة مصادرة أراضي شعبنا الفلسطيني وتسيد الأرض والاستحكام بها وبناء المستوطنات التي تعكس واقعا مؤلما يحاول طمس وتغييب الجذور التاريخية المشروعة لإخواننا الفلسطينيين وسلب ممتلكاتهم وأراضيهم وحرمانهم من حقوقهم باستخدام أدوات العنف والقوة في التأثير عليهم، وإبقاء الحياة رهينة بيد المحتل الصهيوني ، إن جميع الأساليب المتبعة والسياسة المفروضة على الشعب الفلسطيني تتنافى والشرائع السماوية والقوانين الدولية وحقوق الإنسان والتي تتمثل بالتوسع في بناء المستوطنات وحرمان أبناء الشعب الحقيقيين من أراضيهم وتعكس أسلوب الإرهاب الذي تتبعه السلطات الصهيونية في انتهاك حقوق أبناء الشعب الفلسطيني، فعلى مدى عقود من الاستيطان هدمت أدوات المحتل الألوف من ممتلكات الأراضي المحتلة، وشردت قطاعات عديدة من السكان لأجل بناء منازل ومرافق وتوطين أعداد من الصهاينة بأشكال وأساليب بعيدة عن القانون والتشريعات الدولية، واستمرار سياسة الاستيطان لتشمل بناء آلاف المنازل على الرغم من القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة التي تمنع ذلك، ولكن حكومة العدو الغاصب لا تكترث لهذه القرارات ولا تعيرها أهمية وتعتبر كيانها الغاصب فوق كل اعتبار كونهم يشكلون القوة الغاشمة . هي المواجهة الحقيقية والصادقة في الدفاع عن المقدسات والحرمات وشكلت انتفاضة واسعة ورغم عدد الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن القدس الشريف وارضهم المغتصبة وحقوقهم المهدورة نتيجة الممارسات العدوانية التي بلغت (١٢٦) شهيدا وأكثر من (٩٥٠) جريح نتيجة هدم وتحطيم العشرات من المنازل والمحال الشعبية والمناطق الآهلة بالسكان نتيجة القصف العشوائي والصواريخ الموجهة الى ابناء الشعب الفلسطيني، إلا أن صمود وصلابة المواقف البطولية والدفاع الجهادي وعدم الاستسلام لإرادة المحتل كانت ضربات موجعة أقضَّت مضاجع العدو الصهيوني وأصابته بالفزع والهلع وانعدام الموازنة في ادارة الأحداث .معلوم لدينا أن جميع الأساليب المتبعة والسياسة المفروضة على أبناء الشعب الفلسطيني تتنافى وجميع الشرائع السماوية والقوانين الدولية وحقوق الانسان، ولا تزال سياسة الاستيطان مستمرة وعملية البناء اتسعت لتشمل الأف المنازل رغم القرارات الدولية الصادرة من الأمم المتحدة. وفشل المشروع الصهيوني في إيجاد قواعد وركائز متينة لمفهوم أمني مجتمعي لأنه قائم على احتلال واغتصاب أرض وترويع شعب واستخدام أدوات القتل والترهيب والاضطهاد ضد أبناء الأرض التي اغتصبها وساهم في تشريد أهلها وإيذاء من تبقى منهم بشتى أنواع أدوات الظلم والايذاء النفسي والتعسف المجتمعي ، لم يتمكن الكيان الصهيوني من وضع لمسات حقيقية لنظام أمني قائم على تأمين المعلومة الذاتية والدفاع عن القيم الانسانية وحماية وسلامة المواطن لأنه مخالف لجميع الشرائع السماوية والقوانين الدولية والتشريعات الوضعية وبهذا فهو يتصف بالقاعدة المعروفة (ما بني على باطل فهو باطل ) ،الكيان الصهيوني قائم على احتلال أرض واستهداف شعب وتدمير أمة وتنفيذ مشروع سياسي توسعي ، ولهذا فهو لا يمكن له أن يمتلك مقومات الأمن المجتمعي ولا الأسس التي تحمي أهدافه وتطلعاته بسبب عدم استطاعته من تأمين مفهوم الحياة بديمومتها واستمرار بناءها .بنظرة واقعية ميدانية نستطيع أن نقول إن المبادئ الأساسية القائمة على تنفيذ المفاهيم الأساسية لمنظومة الأمن الصهيوني قد أصابها العديد من الإخفاقات والتراجعات وعدم القدرة على مواجهة التحركات والأساليب التي اتبعتها قيادات المقاومة الفلسطينية في المواجهة التي حدثت في العاشر من أيار 2021 في مواجهات القدس الشريف والمسجد الأقصى وباقي المدن الفلسطينية المحتلة التي أثبتت حقيقة التطور الميداني والقيادي في إحداث نقلة نوعية وأمنية وعسكرية في مواجهة الخطط الاستباقية الأمنية للكيان الصهيوني وأفقدته القدرة على استخدام أسلوب الضربات بسبب المفاجآت الميدانية للمقاومة الفلسطينية واستهدافها للأماكن والمقار التابعة للمؤسسات الصهيونية ولم يتمكن من تحديد مواقع وتواجد عناصر المقاومة القائمين على عمليات الردع والتنفيذ ضد الأهداف الصهيونية ، وشكل هذا المنحى عاملا ايجابيا في تصاعد حدة المواجهات بين قوى الحق الذي تمثله الارادة الشعبية الفلسطينية المجاهدة وقوى الباطل الذي تمثله أدوات القتل والترويع الصهيونية. أصبح الشعب الفلسطيني الثائر أمام منعطف تاريخي مهم وتغيير ميداني استراتيجي وارادة شعبية جماهيرية فعالة وتعامل قيادي جهادي لمفهوم وكيفية ادامة المقاومة بجميع أدواتها وصنوفها وعدتها وتنوع خططها وسريتها التامة في التعامل الميداني مع تطور الأحداث على الأرض في مواجهة المشروع الصهيوني وأدواته الخبيثة والإدراك الفعلي الواضح لطبيعة ونوايا العدو المحتل وأهدافه المرحلية وسعيه لتنفيذ سياساته القائمة على أدوات البطش والقتل والهدم والترويع وزرع الخوف والتردد في نفوس أبناء الشعب العربي والفلسطيني ولكن إرادة الله تعالى وهمة المجاهدين والدعم الشعبي العربي والاسلامي المساند لقضية شعبنا الفلسطيني في معركته ستفشل المخطط الصهيوني وتبقي راية المقاومة خفاقة في سماء وأرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلة.

Similar Posts