ثورة تشرين … السمات والأهداف

بقلم : إياد العناز

باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثالثة لانطلاق ثورة الشعب المجيدة ثورة الأحرار والرجال الشجعان ثورة الشباب المنتفض المطالب بالحرية والاستقلال ثورة الحق ضد صور الفساد السياسي والاقتصادي ثورة القيم والمبادئ والأخلاق الداعية إلى احترام حرية الإنسان والفكر الجماهيري وتطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية ورفض حالات القمع والملاحقة الأمنية والتغيب القسري والاغتيال السياسي ، هي ثورة أعطت مدياتها وأعلنت عن صوتها الحر وإرادتها الصلبة وثبات موقف شبابها ودفاعهم عن حقوق وأمال وأهداف أبناء الشعب العراقي المجاهد ، وعندما نستذكر المعاني الكبيرة والمواقف الجهادية والتضحيات الجسام لشباب الثورة علينا أن ندون أهم الملامح الميدانية التي أكدتها سواعد الثوار وسطرتها دماء الشهداء التي ارتوت بها الأرض العراقية الكريمة والتراب الوطني الأصيل.

كانت السمة الأساسية التي اتصف بها الشعب العراقي المجاهد هي ثباته وتمسكه بمبادئه وأهدافه وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال بعيدا عن الخنوع والخضوع للظلم والعبودية ورفض جميع أشكال ومشاريع الاحتلال التصفوية والفئوية الضيقة التي حاولت أدوات ووكلاء العملية السياسية من تنفيذها وتطويق البلاد بها وتقيد حرية الشعب وإبعاده عن مواجهته هذه الأفكار والمشاريع التي تبغي تعزيز قدرة المحتل الأمريكي وتنفيذ إرادة النظام الإيراني في الهيمنة واستمرار نفوذه لتحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف والجهات الدولية والإقليمية التي لا زالت ترى في العراق ملاذها الدائم والأرض التي تستطيع أن تحقق وتنجز الكثير من أهدافها الاستراتيجية بما يحقق لها رؤية مستقبلية في التعامل مع جميع القضايا التي تهم منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي .

مع يقظة الشعب الثائر وأدواته الوطنية والجماهيرية تمكنت الثورة من كشف هذه المشاريع وإفشال الخطط التي تستهدف وحدة وسلامة البلاد والحفاظ على منجزاته والإبقاء على جذوة الكفاح والتصدي للمؤامرات التي تحاك ضده وتعرية دور الأحزاب والحركات السياسية واستمرارها بالتمسك بمصالحها ومنافعها المادية والعمل على تسويق وتزويق العملية السياسية بما يخدم أهدافها وإرتباطاتها الخارجية .

إن استمرار وهج ثورة تشرين المجيدة ودورها الطليعي والثوري في تحشيد الهمم وتوحيد الصفوف والرؤى لدى أبناء الشعب العراقي أثبت حيويتها وصفاء فكرها ونقاء عطائها وصدق نواياها وصبر رجالها وعنفوان جهادها وصلابة موقفها عندما وجهت صوت الشعب الثائر ليعلن مرة أخرى وبصورة متواترة أن الثورة مستمرة وقائمة ومتمسكة بأهدافها وتطلعاتها.

هي الروح الكبيرة المفعمة بحب الوطن والدفاع عن حياضه ، هي من تعيش في وجدان الثوار وتحاكي مشاعرهم وتؤانس وحشتهم وتواكب حركتهم وتحسن تصرفهم وتماسكهم المتين الذي أصبح رمزا للشعوب الحرة الكريمة .

منحت ثورة الشعب الكبرى مفهوم الوعي والإدراك والتعامل مع المشهد السياسي العراقي وفهم الصراعات السياسية والمناكفات بين الشخصيات الحزبية وأصبحت تدرك حقيقة الأهداف التي تسعى إليها هذه التشكيلات الحزبية وعملت على إفشال جميع المخططات التي سعت إليها في محاولة منها لإيقاف المد الجماهيري لقوى الشعب فتم رفض جميع قيادات الأحزاب والكتل السياسية ومواجهة جميع الأعمال التخريبية والإرهابية التي حدثت في ساحة التحرير والساحات والأماكن العامة التي شهدت التواجد الجماهيري الشعبي في المحافظات الوسطى والجنوبية رغم المئات من التضحيات التي قدمت والآلاف من الجرحى ولكن الجماهير المنتفضة تمكنت وبإرادة شعبية كبيرة وبإصرار على الثبات والمواصلة والتأييد الشعبي والعشائري من إلاستمرار والصمود والتصدي لكل أشكال التنكيل والبطش والملاحقات الأمنية رغم المواجهات والعمليات الإرهابية التي طالتها أماكن الثوار من قبل المليشيات المسلحة.

أعطت ثورة تشرين المباركة مفهوما جديدا لمعنى الوطنية والانتماء للوطن وهو أن على الجميع التمسك بوطنيته وأرضه ويدافع عن شعبه بعيدا عن كل مغريات السلطة وأهداف الحكم والمنافع والمصالح الذاتية التي سعت إليها الأحزاب والكتل السياسية التي رافقت الاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني طيلة السنوات التي تلت عملية غزو العراق والتحكم بمقدراته ،فكان معنى الوطنية هي الانتماء إلى روح وأهداف وطموحات الشعب العراقي والتمسك بالثوابت الأصيلة والمبادى الحقيقية وصور الاستقلال الوطني التي تعيد العراق إلى سابق عهده وكما عرضها وطالب بها الخيرون من أبناء الشعب المجاهد وتعاملت معه جميع الأوساط السياسية الدولية والإقليمية.

وإذا أردنا قارئنا الكريم أن نتحدث عن قيم الثورة فهي عكست حقيقة الموقف الشعبي للجماهير المنتفضة عندما تمكنوا من تحقيق أسمى الأهداف وهي الوحدة الوطنية لشعبنا المجاهد بجميع قواه الوطنية ورموزه الشعبية والعشائرية والتفاف شرائح المجتمع العراقي بقومياته وأديانه ومذاهبه وأقلياته نحو الهدف المنشود في تأييد الثورة والتلاحم معها والدفاع عن حقوقها والمطالبة بتحقيق أهدافها وتأكيد متانة وسلامة النسيج الإجتماعي العراقي الذي يتسم به أبناء البلد الذي عمل الجميع عليه وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي والهيمنة والنفوذ الإيراني على مقدرات العراق بمحاولة تمزيق عرى الوحدة الوطنية وزرع الفتن الطائفية والعمل على تعزيز مفهوم الطائفية السياسية بما يخدم مصالح ومنافع الأحزاب والحركات السياسية المشاركة في الحكومات التي أعقبت الاحتلال وشاركت في العملية السياسية وهذا المنجز الكبير أفزع السياسين العراقيين وأكد حقيقة الانتماء الوطني بعيدا عن المشاريع والأهداف المعادية التي تسعى بعض الأحزاب لتنفيذها خدمة لمصالح ورغبات القوى الدولية والإقليمية التي ترتبط بها وتلتزم سياستها في الداخل .
أكدت ثورة تشرين حقيقة اجتماعية تمثلت في وحدة أهداف الشعب العراقي وتمتين عرى العلاقة المجتمعية من خلال التمسك بطروحات وأفكار الثورة وأسست لرؤى فكرية وملامح سياسية وطنية وآفاق رصينة من العمل الجماهيري الساعي لتعزيز الفكر الانساني وبأدوات وعقول ناضجة وعمل سياسي واضح يتأخذ من الشعب مادته وأساس عمله ويعتبر الإرادة الجماهيرية هي المعول الأساسي في هدم صروح الفساد السياسي والاقتصادي وصولا إلى التغيير الشامل نحو نظام سياسي وطني بآفاق تحدد مسارات العمل السياسي وصور التواصل الشعبي مع إعداد برامج اقتصادية تنموية .
جاءت ثورة تشرين المباركة لتعزز قيمة الإنسان العراقي وتطلق عبارات الوحدة الوطنية وترسم ملامح الحياة الجديدة للمواطن العراقي ساعية إلى إعلان دولة المواطنة الحقة بعيدا عن الأهداف والمنافع والأطماع الفئوية والحزبية الضيقة لجميع المساهمين في العملية السياسية التي كانت إحدى نتائج الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق منذ التاسع من نيسان 2003 ولحد الأن ،عزز المنتفضون هذا المفهوم الوطني باتحاد كلمتهم وتوافق توجهاتهم وعلو أهدافهم وسمو مبادئهم وصحوة فكرهم وجذوة انتمائهم وشعاع وضياء تضحياتهم التي أذهلت العالم وأصبحت صورة بهية وواقع يفتخر به العراقيون الأماجد وأعطت حضورا زاهيا لعنوان الحرية ومفهوم الاستقلال وجذوة التحرر والانعتاق من الظلم والتبعية والاستعباد

Similar Posts