فساد “الموازنة” وملعب الإرادات السياسية

بقلم : جهاد بشير

تضطرب الأوساط الحزبية في دائرة العملية السياسية في العراق، بشأن “التوافق ” على إقرار الموازنة المالية التي كان من المفترض أن تقر منذ أشهر خلت، وهذا الأمر ليس بغريب أو جديد على الواقع السياسي في البلاد؛ فإن حالة الفوضى وعدم الاتفاق مظهر رئيس فيها، إذ لم يشهد العراق منذ احتلاله سنة 2003 حدثًا ذا صلة بقرار يتخذه النظام أو الحكومة أو مجلس النواب تم فيه الاتفاق على شيء!

ما تسمى “اللجنة المالية” في مجلس النّواب كانت صريحة جدًا حينما صرح متحدث باسمها قائلاً: “لا يوجد اتفاق سياسي بخصوص المقترحات التي تقدم” بشأن الموازنة، في مشهد يعكس جانبًا من الحقيقة المرة في المشهد العراقي، لأن أمرًا متعلقًا بموازنة مالية يكون خاضعًا لإرادات سياسية يؤكد طبيعة عمل العملية السياسية، وبينما تحرص الأنظمة المعتبرة التي تحترم نفسها على أن تُخضع القوانين المالية ومن بينها أمور الموازنة السنوية؛ لمختصين في مجال المال والاقتصاد، وفي سياق التوازن بين ما يتم إنفاقه وما يتطلب تحصيله؛ نجد أدوات العملية السياسية تحيل الموضوع لموافقات سياسية ومكاسب ومصالح حزبية، وما سبب ذلك إلا نمط المحاصصة الذي وضعت في ضوئه أركان النظام.

على مدى عقدين من الزمن تعاقبت ثمان حكومات من مخرجات العملية السياسية، وجميعها لم تنجح في إقرار موازنة مالية رصينة، فهل من الممكن أن تكون الحكومة التاسعة قادرة على ذلك وقد كوّنتها المحددات والأدوات ذواتها التي شكّلتا سابقاتها؟! إن محاولة البحث عن أوصاف مدح أو إشادة بإنجاز يمكن أن تُلصق بحكومة الاحتلال التاسعة ضرب من العبث، لأنها – بكل بساطة في التشخيص – ترعى جبالاً من ملفات الفساد إذا أردنا النظر إلى بيانها على نحو مُتصور يقرّب للذهن واقعًا ذي حجم هائل من هذا الفساد الذي تورط فيه جميع من دخل العملية السياسية دون استثناء، ولكن كل على قدر مساحته في العمل والتأثير.

ثمة فرق في مكاسب محصلة الفساد لدى أحزاب السلطة ومكونات العملية السياسية بين من يستولي على الحصة الكبرى من “الغنيمة” وبين من يرضى بفتات منها، وبين الصنف الأول والثاني مستويات مختلفة من الانتهازيين واللصوص ومدمني أموال الفساد، ولكن في كل الأحوال يتساوى الجميع في تحمّل المسؤولية التأريخية بعد القانونية، فضلاً عن المسؤولية الشرعية؛ في الوصول بالعراق إلى هذا المستوى المنحط في كل شيء؛ لأن المشاركة في جريمة ما بغض النظر عن طبيعة هذه المشاركة سبب مباشر لتحمّل العقوبة، أرأيت لو أن رهطًا من اللصوص سرقوا شاة فذبحوها وصنعوا منها طعامًا، ثم تذكر أحدهم أن عليه أن يكون “نزيهًا” أمام جمهوره فلم يأكل من اللحم واكتفى بالحساء أيكون معفوًا من مسؤولية كسب شيء غير مشروع أو أكل الحرام، أو على أقل تقدير الإسهام فيه ؟!

لعل هذا المثال هو الأكثر إيضاحًا لواقع حال العملية السياسية في العراق، فإن المشاركين فيها من طواغيت أحزاب السلطة هم شلة اللصوص الكبرى التي تستأثر بمخرجات الفساد لتجني الأموال وتحقق المكاسب، وبقية شهود الزور الذين يُساقون في مجلس النوّاب وفي غيره كما تساق الأنعام هم أصحاب “الحساء” الذين لم يظفروا بشيء مادي يشبع رغباتهم، فخسروا الدنيا من جراء ذلك، وفي الوقت عينه مهّدوا لأنفسهم خسارة الآخرة بسبب هذا الصنيع!

ولأن المسؤوليات بأنواعها لا ترفعها النوايا ولا تصرفها التبريرات عمّن تقع عليهم – وهذا مبدأ بدهي وفطري في الحياة الإنسانية – فإن مزاعم معارضة الحكومة من داخل العملية السياسية، أو ادعاءات قول “لا” للقوانين والقرارات التي تضر ولا تنفع، وتفسد ولا تصلح؛ لا تشفع لأصحابها، حيث أن كل قانون معتل، أو قرار جائر، أو سرقة ممنهجة، أو فساد منتشر؛ إنما حصل باسم المنظومة السياسية وفي مساراتها، ومن ضمن قواعدها وأطرها؛ وكل من في هذه البوتقة مسؤول عنها.

ولعلنا نقول بألم إن من الممكن أن يتحمّل أولئك النفر ممن صوّت في الانتخابات وكان سببًا في اختيار النوّاب والوزراء وشخصيات الحكومة كلّها؛ جزءًا يناسب فعله من المسؤولية، فيكون أردى حالاً من أصحاب “الحساء”؛ لأن الضرر الذي بلغ به وبأهله وقومه وأبناء بلده مستويات غير مسبوقة من التردي، لم يترك له من حطام الدنيا شيئًا يُذكر، وما واقع العراق بالخدمات والبنى التحتية والوظائف والسكن والنمو والاقتصاد والثقافة والحريات العامة إلا انعكاس صريح لهذا المثال ومتعلقاته.

وإذا كان لمسك الختام أن يُعنى بالتنظير لفرص أمل ونجاة من هذا الواقع؛ فإن المنطق يقول: إن على الذين خالفوا إجماع العراقيين على مقاطعة الانتخابات فذهبوا وصوّتوا لأولئك الفاسدين؛ تكفير الذنب بالعودة إلى الصف الأكبر حجمًا والأوسع مساحة، وإن على هذا الصف بعد أن يكتمل نصابه أن يعي حجم القوة التي يمتلكها إن هو أحسن التحرك الفعلي لإشعال ثورة كبرى تعم أرجاء البلاد، ثورة لا تخبو نارها ولا تتحكم فيها إرادات سياسية أو رغبات حزبية سواء داخلية كانت خارجية، ثورة لا تبقي للنظام السياسي وعمليته وأحزابه وميليشياته أثرًا بعد اقتلاعها جميعًا من جذورها وهدّ بُنيانها من القواعد، لأن طريقًا غير هذا لانتشال العراق مما هو فيه غير متوافر في ظل الظروف الحالية، والله غالب على أمره.

Similar Posts