ماذا ستفرز الانتخابات في العراق؟! … د. أيمن العاني

لست هنا بمعرض الخوض في موضوع شرعية الانتخابات التي ستجري في بلدي العراق الجريح؛ فمن حيث المبدأ ما هي إلا باطل بُني على باطل، مهما تقادم الزمن ودارت الأيام وكيفما كانت الظروف، وهذا أمر مفروغ منه قانونًا، وسأكتفي هنا بالإجابة عن السؤال: ماذا ستفرز الانتخابات القادمة؟، وبغض النظر عن السيناريوهات المعدة والنتائج المقرة سلفًا؛ فإن المعطيات والأحوال مختلفة تمامًا هذه المرة لأنها ستجري وسط تدهور غير مسبوق في الأوضاع على الصعد كافة، وتفاقم الأزمات على نطاق واسع؛ فعشرات المدن منكوبة ومئات آلاف الدور مهدمة وملايين الأهالي مشردة والبنية التحتية مدمرة والخدمات شبه معدومة والمستقبل حالك القتمة، في ظل الفساد المتجذر في جميع الدوائر الحكومية دون استثناء، وهذا لا يخفى على أحد، ناهيك عن أنه من دون بنية تحتية حقيقية لا يمكن إجراء انتخابات فضلًا عن تحقيق أية نوع من أنواع الإصلاح السياسي في البلاد.

وبعيدًا عن سجل حكومات الاحتلال المتعاقبة، الحافل في تبديد ممتلكات وثروات الشعب العراقي، ونسف مقتضيات الأمن القومي العراقي بشتى السبل لشرعنة بقائها؛ فإنني أعتقد أن الانتخابات -إن جرت هذه المرة- ستفرز الأسوأ؛ بسبب الحضور الميليشياوي الواضح والفاضح، الذي كان مخفيًا بالماضي؛ الأمر الذي يُزاد على الواقع المزري الذي لا يُرجى برؤه للعملية السياسية المسخ؛ فلا شك بأن الميليشيات ستستغل فوضى السلاح وحالة عسكرة المجتمع لاكتساح الساحة في الانتخابات المقبلة، وهذا ما يتأكد يومًا بعد يوم من خلال ما يحدث الآن في العاصمة بغداد وفي العديد من مدن جنوب العراق، ولا سيما بعد أن باتت الميليشيات المسيطر الأبرز على المشهدين العسكري والسياسي في البلاد بفضل الدعم الأمريكي والإيراني منقطعي النظير، حتى وإن بدا الأمر ليس كذلك في العلن، وستظهر مخاطر تداعيات ذلك على الفرد والمجتمع جليًا مع اقتراب موعد الانتخابات.

ومع أن القانون في العراق يحظر على الجماعات المسلحة المشاركة في الانتخابات، إلا إنه قد سُمح لقادة الميليشيات بتشكيل كيانات سياسية بحجة أن مقاتليهم أصبحوا الآن تحت تصرف الحكومة في بغداد ومنهم من عمد إلى تغيير اسمه لتسهيل عملية المشاركة. علمًا أنه في الواقع لا يزال مقاتلو الميليشيات يأخذون الأوامر من قادتهم. وهذا ما أكده (حاكم الزاملي) رئيس لجنة الدفاع والأمن في البرلمان الحالي بقوله: “إن هناك عشرات المكاتب التي تمثل الميليشيات في كل المدن العراقية ويبدو أنها تعمل بشكل مستقل”، ولا عجب في ذلك لأن الميليشيات الآن جزء من قوات الأمن الحكومية في العراق، وفقًا للقانون الذي صدر دون توضيح لتفاصيل مهمة حول تنفيذه -وهذا ما أقر به المشاركون بالعملية السياسية أنفسهم- وأنها القوة الأولى التي لا تضاهيها قوة أخرى في العراق، بحسب (هادي العامري)، وزير النقل والمواصلات السابق، وقائد ميليشيات “الحشد الشعبي” الطائفية، ورجل إيران الأول في العراق، وحليف رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي لخوض الانتخابات القادمة.

أما ما يتمنى كل إنسان وطني غيور يدرك سلفا أن هذه الانتخابات لن تأتي بجديد للعراق والعراقيين؛ فإنه يتمنى أن يفرز ويكرس هذا الوعي حالة توحيد مكونات الشعب العراقي في مواجهة حكومات الاحتلال وكشف الغطاء عنها، والوصول إلى حالة توحيد الموقف والتنازل عن مفهوم الأحزاب والتنازع الأيديولوجي والتوحد تحت مظلة واحدة وهي مظلة العراق الواحد الموحد؛ وإنقاذ الدولة عبر تحقيق المصالحة الوطنية بين مكونات الشعب المظلوم كافة، لأن الأحداث والوقائع أثبتت أن حكومات الاحتلال غير مؤهلة لإجراء مصالحة، ومن يستغفل من الأطراف التي كانت ترفع لواءها بالضد من مشروع الاحتلال فسقط القناع عنها ورضيت بأن تدخل تحت ذرائع واهية فيما يسمى المصالحة ستخرج عن الإجماع الوطني حتمًا، لأن أصل الخصومة ليست مع مكون بعينه، لكنها بين الحكومة المعينة وبين الشعب العراقي الرافض للاحتلال بكل أشكاله ومسمياته. والأمل كبير في أن يصل الشعب العراقي إلى قناعة تامة بأن يقول كفى فسادًا وعبثًا بمقدرات البلد وثرواته، وأنه لا يصح إلا الصحيح، وأنه لا جدوى من تجريب المجرب الذي لم يقدم شيئًا لناخبيه، سوى لنفسه وحزبه فقط، وأن يستمع هذا الشعب لصوت المنطق لينعم بالخلاص من الاحتلال ومشاريعه وما أفرزته من واقع مرير؛ لأن الاحتلال لا محالة زائل، والذي سيبقى هو العراق أرضًا وشعبًا وثروات.

Similar Posts