افلا يتدبرون القرآن ٠٠٠ ما حقيقة ظن إبليس؟
بقلم : محمد الحسني
قال تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ) سبأ الآية ٢٠ _ ٢١ السؤال؛ ما هو الظن الذي ظنه؟ ثانيا: الآية وردت في سياق الكلام عن قصة سبأ فهل تصديق ظن إبليس كان في أهل سبأ أم هو عام في كل الناس؟ وما نوع (من) في قوله تعالى (إلا فريقا من المؤمنين) ٠٠ في الاستفهام الأول يجيب القرطبي بقوله: وقال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حواء وهبط إبليس قال إبليس: أما إذ أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف! فكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه. وقال ابن عباس: إن إبليس قال: خلقت من نار وخلق آدم من طين والنار تحرق كل شيء لأحتنكن ذريته إلا قليلا فصدق ظنه عليهم. وقال زيد بن أسلم: إن إبليس قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرفتهم وفضلتهم علي لا تجد أكثرهم شاكرين، ظنا منه فصدق عليهم إبليس ظنه. وقال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه. فاتبعوه قال الحسن: ما ضربهم بسوء ولا بعصا وإنما ظن ظنا فكان كما ظن بوسوسته. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٠٠وقد أورد أهل التفسير قولين في الضمير من (ولقد صدق عليهم) الأول: هم من أطاعوه من أهل سبأ خاصة ٠٠ والثاني: أن هذا عام في كل الناس ٠٠ لكني وجدت أن ابن كثير اعتبر أن الآية عامة في كل الناس حتى أنه لم يورد الرأي الأول الخاص بأهل سبأ فتراه يقول: لما ذكر [الله] تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالف الرشاد والهدى، فقال: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه).قال ابن عباس وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم، ثم قال: (أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا) [الإسراء: 62]، ثم قال: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) [الأعراف: 17] والآيات في هذا كثيرة. وقد أجاب ابن عاشور عن عدم اتفاق أهل التفسير على رأي واحد بقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) الأظهر أن هذا عطف على قوله: {وقال الذين كفروا هل ندلُّكم على رجل} [سبأ: 7] الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير {عليهم} عائداً إلى {الذين كفروا} من قوله: {وقال الذين كفروا هل نُدلكم} الخ. والذي درج عليه المفسرون أن ضمير {عليهم} عائد إلى سبأ المتحدث عنهم. ولكن لا مفرّ من أن قوله تعالى بعد ذلك: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون اللَّه} [سبأ: 22] الآيات هو عَوْد إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبا. وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة من ترتيب مواقع الآية.فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شَرَك وسوسته. ثم أضاف في موضع آخر قوله: وفي (على) إيماء إلى أن عمل إبليس كان من جنس التغلب والاستعلاء عليهم.أما نوع (من) في قوله تعالى (فريقا من المؤمنين) فيقول القرطبي عن ذلك بقوله: إلا فريقا من المؤمنين نصب على الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين؛ لأن كثيرا من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، أي ما سلم من المؤمنين أيضا إلا فريق وهو المعني بقوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلهم، ف (من) على هذا للتبيين لا للتبعيض ٠ ٠ ثم يطرح بعد ذلك استفهاما لابد من ذكره بقول: فإن قيل: كيف علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب؟قيل له: لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته، وقد وقع له تحقيق ما ظن. وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك فأعطي القوة والاستطاعة، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك، فلما رأى أنه تاب على آدم وأنه سيكون له نسل. يتبعونه إلى الجنة وقال: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين علم أن له تبعا ولآدم تبعا ; فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم، لما وضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت الشهوات في أجواف الآدميين، فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزين في أعينهم تلك الشهوات، ومدهم إليها بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الذي ظنه، والله أعلم. انتهىثم قال تعالى (وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ) جاء في تفسير هذه الآية عند ابن عاشور في التحرير والتنوير قوله: وخولف في النظم بين الصلتين فجاءت جملة ” من يؤمن بالآخرة ” فعلية، وجاءت جملة ” هو منها في شك ” اسمية لأن الإيمان بالآخرة طارئ على كفرهم السابق ومتجدد ومتزايد آنا فآنا، فكان مقتضى الحال إيراد الفعل في صلة أصحابه. وأما شكهم في الآخرة فبخلاف ذلك هو أمر متأصل فيهم فاجتلبت لأصحابه الجملة الاسمية ٠٠ انتهى وقال الرازي في مفاتيح الغيب ما نصه: أن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم وإذا عدم يعلمه معدوما بذلك ٠٠ فكذلك ههنا قوله: (إلا لنعلم) أي ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر والإيمان من المؤمن وكان قبله فيه أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو. انتهى لقد سلك القوم هذا المسلك، الذي انتهى إلى تلك النهاية، لأن إبليس صدق عليهم ظنه في قدرته على غوايتهم، فأغواهم، فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. كما يقع عادة في الجماعات فلا تخلو من قلة مؤمنة تستعصي على الغواية; وتثبت أن هنالك حقا ثابتا يعرفه من يطلبه; ويمكن لكل من أراد أن يجده وأن يستمسك به، حتى في أحلك الظروف. وما كان لإبليس من سلطان قاهر عليهم لا يملكون رفعه. فليس هنالك قهر لهم منه ولا سيطرة عليهم له. إنما هو تسليطه عليهم ليثبت على الحق من يثبت، وليزيغ منهم من لا يبتغي الحق ويتحراه. وليظهر في عالم الواقع من يؤمن بالآخرة فيعصمه إيمانه من الانحراف، ممن هو منها في شك. فهو يتأرجح أو يستجيب للغواية. بلا عاصم من رقابة لله ولا تطلع لليوم الآخر.والله يعلم ما يقع قبل ظهوره للناس. ولكنه سبحانه يرتب الجزاء على ظهوره ووقوعه فعلا في دنيا الناس ٠٠ في ظلال القرآن ٠ ٠ أقول :: أن هذا الدرس الإلهي في توعية الناس وتحذيرهم من عدوهم من أن يصدق ظنه عليهم ما زال يتكرر وسوف يتكرر بتقادم الأزمنة وهذا انما يكون لفضل الله ورحمته بعباده ولطفه بهم حتى لا يقعوا فريسة للأماني والأهواء التي يدعوهم إليها إبليس فيكونوا من أتباعه بل عليهم الصبر والنظر في اختيارهم وقراراتهم وأخذ العبرة ممن كان قبلهم وقد قالوا قديما ( السعيد من اتعظ بغيره) وتعلم أن دوام الحال من المحال وان الأيام دول لا تدوم فليكن الانسان المؤمن كيسا فطنا لينجو ولا يكون عاجزا جاهلا ولا يأخذ من هذه المعاني دروسا فحينها سيكون هو العبرة لمن يعتبر وشتان بين الاثنين وبين الفريقين ٠٠٠والحمد لله رب العالمين