“تجريم” الأمر بالمعروف أغراضه ونتائجه
الناقد أدهم الشبيب
بني هذا الدين وبنى بعده المجتمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا فرض قرآني وسنة نبوية، وقد عرّف الله تعالى خير أمة أخرجت للناس بذلك ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ وقرن ذلك بالإيمان بالله بطبيعة الحال ، بينما وصف -جل وعلا- من ضاعت أممهم ومن أهلكهم بعكس ذلك ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن الإثم والفواحش والظلم والباطل.
أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض فذكر قوله تعالى “لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ،،،، فاسقون” ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم)) وخرجه الترمذي أيضا ، ومعنى لتأطرنه لتردنه.
لذا فعندما خطط أعداء الدين لنخر هذا الدين -وهم يعلمون من تاريخهم وكتبهم كيف أهلكت أممهم الأولى- كانت أولى خطواتهم ومن تعاون معهم هي تجريم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلاد المسلمين أو جعله سبة بين الناس خطوة فخطوة، بدؤوه بترويج عبارة “ما دخلي أنا وما دخلك أنت” ، ثم اخترعوا زورًا “دع الخلق للخالق” وخلطوا الفواحش والمنكرات المعلنة عمدا بسياسة “الحرية الشخصية” وعدم التدخل بأفعال الناس، والحقيقة إن المطلوب هو عدم التدخل “بأحوال الناس” وليس “بأفعالهم” فالأفعال تؤثر على المجتمع وتضر الجميع فلا عقل لتركها كيفما تكون.
جعل هذا الترويج عوام الناس يتهيبون نصح بعضهم بعضًا، بل جعل فئات المجتمع المسلم الفاعلة والناصحة تتراجع عن دورها متقهقرة تحت وطأة هذا الفهم المغلوط حتى وصل الأمر بالحكام والمتنفذين على رقاب الناس أن يتجرؤوا بتواطئهم مع أمم تخطط لهدم الدين والمجتمع فسنوا قوانين تمنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان بطرق مباشرة كما حصل في بلاد الحرمين أخيرا من حل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي عمرها بعمر دولتهم الحديثة واستبدلوها بهيئة الرقص والترفيه جهارًا نهارًا ودون استغراب أو اعتراض من أحد، ثم رأينا ما حصل بعد ذلك من انهيار المنظومة الأخلاقية ووقوف أشراف الناس هناك مكتوفي الأيدي متحسرين على ما ضاع من مجد تليد، أو بطريقة غير مباشرة كما يحصل في بلدان مهمة أخرى كالعراق ومصر وسوريا من تشجيع للفساد وتحجيم لمحاسن الاخلاق.
تواطن الناس على إن الأمر بالمعروف هو مهمة عينية تقتصر على رجال معممين – أو مهمة ثانوية لا يؤثر غيابها أو أنها مخاطرة أو أنها أمر صار ثقيلا أو مستهجنا بل محاربة من يتخذها شعارًا ويعمل بها ولومه بدلًا من مساندته- لهو أمر في غاية الخطورة وهو غاية ما يريد أعداء الدين واعداء المجتمع، ولا بد من إحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنبيه والمجادلة بالتي هي أحسن والتذكير بأيام الله وأحكام الدين والنهي عن الفواحش والمعاصي والمنكرات من كل من هو قادر على الكلام سواء في موقع يؤهله لذلك أو لا، وإلا فإن الأمة لن تستعيد قيمها وخلقها ومكانتها التي أعزها الله بها.
ولا يغرنكم من يثبطكم عن ذلك ويعذلكم أو يخوفكم أو يوهمكم أن ذلك أمر منوط بأهله وخاصته، فكل مسلم هو أهله ، وكل امرئ عاقل مكلف به اليوم، وذلك لعموم البلوى وفداحة الخطب وتكالب الأعداء وتدهور أحوال المسلمين بتدهور أخلاقهم وتعاملاتهم، فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: ((مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا))
والله تعالى يقول: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ والحمد لله رب العالمين