نفحات رمضانية
التوكُّلُ وحقُّ التوكُّلُ والتقوى وحق التقوى
الشيخ عبدالمنعم البدراني
ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لو توكلتم على اللهِ حقَّ توكُّلِه لرزقكم كما تُرْزَقُ الطيرُ تَغْدُوا خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا))
فالتوكل نوعان:
توَكُّل
وحقُّ التَّوَكُّل
فقد يكون الإنسان متوكلا ولكن ليس حق التوكل على الله تعالى وذلك ربما يكون بانشغاله بالأخذ بالأسباب أكثر من انشغاله بالصبر والرضى والتسليم والاحتساب بما قضى الله وقدر.
فالأخذ بالأسباب مشروع ولا غبار عليه ولكن يجب أن يكون التعلق والاعتماد والانشغال والتفكير والهمة بالله تبارك وتعالى وليس الانشغال بالأسباب أكثر من التعلق برب الأسباب جل وعلا.
وعلى أساس هذا الفرق بين الفريقين تكون درجة الطمأنينة والسكينة وراحة القلب والبال.
وهذا مثل قوله تعالى:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) آل عمران
فالتقاة هي التقوى وهي نوعان:
تقوى
وحقُّ التقوى
فقد يكون الإنسان متقياً، ولكن ليس حق التقوى وذلك إذا خلط تقواه بمعصية أو تقصير بأداء واجب، أو التلبُّس بالشبهات، فهذه المعصية وهذا التقصير، وهذا التلبس بالشبهات لا ينفي عنه صفة مطلق التقوى؛ وإنما ينفي عنه صفة التقوى المطلقة.
فصاحب التقوى المطلقة هو من جاء بالأوامر واجتنب النواهي والمتشابهات.
وصاحب مطلق التقوى هو الذي يخرق تقواه بمخالفة بعض الأوامر أو بارتكاب بعض النواهي، أو بالتلبس بالشبهات فينقص من تقواه بقدر ما ارتكب من معاصي أو قصر في أداء الواجب، أو واقع الشبهات التي لا تخلو من وجهٍ حرام كما أن لها وجهَ حلال، وما سمِّيتْ الشبهةُ شبهةً إلا لأنها تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام من وجه آخر، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :(الحلال بيّن والحرام بيِّن، وبين هما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) رواه الشيخان.
هذا الأمر نفسه ينطبق على المتوكل وعلى من توكل حق التوكل
فينقص من حق توكله بقدر انشغاله بالأخذ بالأسباب عن رب الأسباب
فالأصل في حق التوكل هو استحضار إرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره والرضى به والتسليم له، وأنه لا مانع لما أعطى؛ ولا معطي لما منع، وأن ما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن.
ثم يأتي بعد ذلك قضية الأخذ بالأسباب فإنه عنصر مكمِّل للتوكل على الله تعالى باعتقاد أن الله تعالى هو مسبب هذه الأسباب
فالتوكل محله القلب، وهو أول الأمر وأصله وأساسه، ثم يُبنى على هذا الأصل الأخذ بالأسباب، فيتحقق حينها للعبد حق التوكل على الله مولاه.
قال الإمام ابن الجوزي:
“فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء، وتضجر من كثرة الدعاء؛ فإنك مبتلى بالبلاء، متعبد بالصبر والدعاء، ولا تيأس من روح الله، وإن طال البلاء”.
صيد الخاطر: ١٦٨.
رحم الله بن الجوزي
وصايا تكتب بماء الذهب
الأولى: لا تستطل زمن البلاء
أي لا تراه طويلا فيصيبك الضجر والملل من كثرة الدعاء
لأنه إن طال أو قصر فإنه رهين قضاء الله تعالى وقدره وحكمته
الثانية: هذا البلاء هو امتحان من الله تعالى لك وفتنة قال الله تعالى في سورة العنكبوت:((أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)
فكل مدعٍ للإيمان فهو عرضة للابتلاء ثم قال الله :((وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3))) وهنا تسكب العبرات
ففي الامتحان يكرمُ المرءُ أو يهان، ويفتضح أمر الكاذبين المدعين للإيمان، وترتفع درجة وأجور الصادقين أهل الإحسان.
والفرق بين الصادق والكاذب هو اليقين والصبر والرضى بما قدر الله وقضى
الثالثة لا تيأس من رَوْح الله
ورَوْحُ الله أي ترويحه وتخفيفه ولطفه ورحمته وفرجه
فإن اليأس من رَوح الله ليس من صفات المؤمنين
قال الله تعالى في سورة يوسف:((وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
فالكافر ييأس من رحمة الله
والمؤمن يأمل ويرجو رحمة الله ليلَ نهار، وفي أي ساعة وفي أية لحظة.
ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها
يغير الله من حالٍ إلى حالِ
فاهنأْ قريرَ العين يا مؤمن
فإنما أمرك بيد الذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
قوله تعالى في سورة النجم: ((وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43)
فالمضحِكُ والمُبكي لخلقه جَلَّ وعلا هو الله تعالى وهذا الإضحاك ُ والإبكاءُ له أحوال:
الأول: أن يُضحِكَ اللَّهُ تعالى خلقه بالمسرّاتِ والمناسبات السعيدة كالزواج والنجاح والنِّعَم وان يُبكِيَهم بالمصائب والكروب والمِحَن.
الثاني: أن يُضحِكَ اللَّهُ تعالى الكفارَ على المؤمنين في الدنيا استهزاءً من الكفار بهم واستخفافاً بالمؤمنين، ويُبكي المؤمنين بسبب هذا الاستهزاء والاستخفاف وهو نوع ابتلاءٍ مزدوجٍ للكفار ليزيدهم طغياناَ وكفراً بذلك الاستهزاء والاستخفاف بالمؤمنين.
وهو في الوقت نفسه ابتلاء للمؤمنين ليرى من يصبر منهم على هذا الأذى النفسي ويحتسبه عند الله، ومن سوف ينقلب على عقبيه ويرتدُّ عن دينه وذلك لضعف يقينه وإيمانه.
ومنه قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩ المطففين﴾
ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون : ((إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)
الثالث: أن يُضحِكَ اللَّهُ تعالى المؤمنين على الكفار يوم القيامة ويُبكي الكفار والمشركين والمنافقين ومنه قوله تعالى في سورة المطففين:((فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34))
ومنه قوله تعالى في وصف بكاء الكفار والمشركين والمنافقين غدا يوم القيامة: ((فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢ التوبة
الرابع: هو إضحاك الله تعالى للمؤمنين في الجنة والرضوان.
ومنه قوله تعالى في وصف ضحك المؤمنين وفرحهم وحُبورهم برضوانه وجنته كما في سورة عبس:((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)
فنسأل اللَّهَ تعالى أن يجعلنا من السعداء المرضيين عنده بكرمه وجوده وإحسانه في الدنيا والآخرة.
• قوله تعالى في سورة يوسف على لسان اخوته:((إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8)َ
وقوله تعالى على لسانهم أيضاً في سورة يوسف :((قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14).
والعُصْبَةٌ هي الجماعة من الناس يَعتَصِبُ بعضُهم ببعض فيُشَكِّلون قوةً يعضدُ بعضهم بعضا في الحقِّ أو الباطل.
ومنه قوله تعالى في سورة النور:((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
وهذا الاعتصاب من جنس التعاون على الفحشاء والمنكر والإثم والعدوان بشأن حادثة الإفك حول الصِدَّيقَةِ بنتِ الصِدِّيق عائشةَ أمِّ المؤمنين الطاهرةِ المُبرَّأَةِ من فوقِ سبع سماوات.
ومنه الِعصابةُ وهي ما يربِطُ المرء بها رأسه يتقوّى بها على وجعِ رأسِه.
ومنه الِعصابةُ من الرجال يُشَكِّلونَ جماعة للقتل أو السلب أو النهب أو قطع الطريق على السابلة.
وقد تجتمع العصابةُ على الحق ونصرة المظلوم والجهاد في سبيل الله تعالى ومنه قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:( لن يبرح هذا الدينُ قائما تقاتل عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة)
وهو لفظٌ آخرُ لحديث الطائفة المنصورة.
ومنه العَصَبَة وهم قرابة الرجل الذين يتعصبون له وينصرونه.
والعَصَبةُ في علم الفرائض من ليست له فريضة مُسَمَّاةٌ في الميراث، وإِنَّما يأْخذ ما أَبقى ذووا الفُروض.
ومنه التَّعَصُّبُ ويكون للرجل أو العالِم أو القبيلة أو الحزب أو الجماعة في الحق والباطل فيكون مذموماً إذا كان في الباطل، ومحموداً إذا كان في الحق.
فالتعصبُ سلاحٌ ذو حدَّيْن؛ إما أن يكون لك، إذا نصرتَ به الحقَّ وأهلَه؛ وإما يكون عليك، إذا نصرتَ به الباطلَ وأهلَه.