وقفتان مع آيتين من سورَتي الأعراف والفرقان
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة الأعراف: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)
وفي هذه الآية جملة من المسائل:
الأولى: نوع الاستفهام في قوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)) هو استفهام استنكاري، إذ ينكر الله تعالى على من يحرم زينته والطيبات من الرزق التي أَحلها لعباده في شرعه؛ كتابا؛ وسنة؛ وإجماعاً قطعياً.
ويُعَدُّ تحريم الحلال القطعي من الطيبات والزينة كفرا بالله وشرعه لا يقلُّ شرَّاً عن استحلال ما حرم الله تعالى تحريماً قطعياً.
الثانية: قوله تعالى:((قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) وفيها دليل على أن المؤمن لا يأكل إلا طيبًا فلقد جعل الله الطيبات والزينة المباحة مقرونةً بوصف الإيمان.
ومفهوم المخالفة أن الخبائث والزينة المحرمة ملازمة لوصف الكفران؛ إما كفراً أصغر وهو بمعنى الكبيرة؛ وإما كفراً أكبر كما هو حاصل في الشرائع التي تتعارض مع قطعيات الشريعة في الحلال والحرام.
الثالثة: قوله تعالى: ((خالصةً يوم القيامة)) أي أن هذه الطيبات والزينة خالصةٌ للمؤمنين يوم القيامة دون الكافرين.
قال الله في سورة الأعراف :((وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)
فكن طيباً -أخا الإسلام -تطيب لك الدنيا والآخرة. فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
قوله تعالى في سورة الفرقان في وصف عباد الرحمن ومنها قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
وفيها مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ((إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
والغرام وصف لكل ما يلتصق بغيره ويلازمه ولا يفارقه طوال الوقت، ومنه الغرام في الحب فهو مرتبة من مراتبه يُراد به أن المُغرَم لا يفارق حبيُبُه فكرَه على الدوام.
ومنه الغريم وهو الدائن الملازم للمَدين يطالبه بحقه.
ومنه المَغرَم وهو الدَّيْن وكان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يتعوذ من المَغرَم لأن همَّ الدَيْن يلازم المَدِينَ ويَقَضُّ مضجعَه.
فنار جهنم غرامٌ بأهلها لا تفارقهم طوال الوقت.
والعياذ باللَّهِ تعالى منها ومن أهلها.
الثانية: قوله تعالى:((إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
وفيها ذكر المُستقر والمُقام وهناك فرق بينهما.
فأما المُستَقَرُّ فهو على وجه الدوام والخلود.
وأما المُقام فقد يكون على وجه تحديد فترة الإقامة المؤقَّتة. ومنه قوله تعالى في سورة الدخان: ((كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) فذكر اللَّهُ تعالى المقام وذكر قبله التركَ والمغادرة.
وهذا يدل على أن الداخلين لنار جهنم والعياذ نوعان:
نوع: يدخل فيخلد ويستقرُّ بها إلى أبد الآبدين بلا موتٍ ولا خروجٍ وهم ثلاثة أنواع الأول: الكفار كفراً أكبر.
الثاني: المشركون الشرك الأكبر.
الثالث: المنافقون النفاق الاعتقادي الأكبر.
النوع الثاني:
ممن يقيم فيها إقامةً مؤقتةً وهم ثلاثة أنواع:
الأول: أصحاب الكفر الأصغر وهي الكبائر.
الثاني: أصحاب الشرك الأصغر كالرياء، والحلف بغير اللَّهِ، وشرك الألفاظ، مثل قولهم: شاء اللّهُ وشاء فلان.
الثالث: أصحاب النفاق العملي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
هذه الأصناف الثلاثة مُعَرَّضون للوعيد بالنار، وداخلون تحت مشيئة اللَّهِ تعالى، إن شاء اللّهُ تعالى عفا عنهم، وإن شاء يدخلهم النار فيخرجون بإحدى ثلاث حالات:
الأولى: بعفوٍ من اللَّهِ تعالى.
الثانية: أو بشفاعة الشفعاء؛ شفاعة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وغيره.
الثالثة: أو بانقضاء المدة التي يقضي بها اللَّهُ عليهم.
نسأل اللّهَ تعالى العافية لجميع المسلمين من النار وأهلها، ومستقرها ومقامها.